توثيق عقد الزواج شكلية مقصودة لذاتها، خصوصا في زمننا هذا الذي قل فيه الوازع الديني و انعدمت ضمائر كثير من الناس، وساد فيه التنكر و التحلل من الالتزامات، لذلك كانت المدونة صريحة و واضحة عندما اعتبرت في الفقرة الأولى من المادة 16 وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثباته، لكنها مع ذلك أبقت الباب مفتوحا عندما تحول ظروف قاهرة دون توثيق العقد في إبانه، فمنحت المحكمة صلاحية اجراء البحث عن الظروف والقرائن المؤكدة لقيام العلاقة الزوجية معتمدة على جميع وسائل الإثبات وكذا الخبرة، أخذة بعين الاعتبار وجود أطفال أو حمل ناتج عن تلك العلاقة، و ما اذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
والحقيقة أن توفر رسم الزواج يجعل الزوجين يعيشان معا مرفوعي الهامة، موفوري الكرامة، عزيزي النفس و مصاني العرض، كما يجعلهما في حل من طرق باب القضاء لإقامة دعوى يرومان من خلالها اثبات و قيام الزوجية بينهما، في مسار قد يستغرق حيزا زمنيا لا يستهان به و قد لا ينتهي بالاستجابة لطلبهما و قبوله .
فعقد الزواج اذن و طبقا للمادة المتحدث عنها، يثبت اصلا بالوثيقة العدلية التي تتضمنه و استثناء بالحكم القضائي الذي يعترف به، لكن قبل اصدار هذا الحكم يتعين ابتداء اقامة الدليل على أن اسبابا قاهرة حالت دون توثيق العقد في وقته، فما هي هذه الأسباب ؟
لا المادة 16 من المدونة و لا الدليل العملي عند شرحه لها اعطيا فكرة عنها، لكن يمكن القول ان السبب القاهر هو كل عقبة مادية حالت دون توثيق العقد امام العدلين المنتصبين للإشهاد كالتواجد بمنطقة لا عدول فيها سواء داخل المغرب أو خارجه، و كوفاة العدل الذي تلقى الإشهاد قبل تقديم الرسم للخطاب، أو تخلف الإذن بالنسبة لرجال الشرطة والدرك ومن في حكمهم …
من وجهة نظر الدكتور الكشبور، يجب التعامل مع هذا الإثبات بحذر شديد جدا، إذ المسألة تتعلق بالأعراض و بالأنساب و من ثم لا يصح للمحكمة ان تثير انعدام السبب القاهر من تلقاء نفسها، و هو ( أي السبب القاهر) يبقى مسألة موضوعية يندرج استخلاصها في اطار سلطتها التقديرية التي لا تخضع لرقابة محكمة النقض الا على مستوى التعليل.
و قد نقضت بمقتضى قرارها عدد 303 الصادر عن غرفة الأحوال الشخصية و الميراث بتاريخ 17-05-2006 في الملف الشرعي رقم 2004/1/2/435 و المنشور بالصفحة 165 و ما يليها من مجلة المعيار في عددها 38 قرار محكمة الاستئناف بفاس رقم 04/338 الصادر بتاريخ 20-05-2004 في الملف رقم 7/2002/844 ، و من بين ما عابه عليها انها بررت عدم توثيق الزواج بالفترة القصيرة التي قضاها الزوج مع زوجته قبل الذهاب الى المانيا، في الوقت الذي شهد فيه الشهود أن مدة المعاشرة الزوجية استمرت من سنة 1983 الى سنة 1998 أي مدة خمسة عشر سنة.
وقررت انه : ” لئن كانت المادة 16 من مدونة الأسرة اجازت بصفة انتقالية سماع دعوى الزوجية بالبيئة الشرعية، فإنه يجب أن تستجمع هذه البيئة شروطها المقررة فقها ومنها توفرها على المستند الخاص لعلم شهودها المتمثل في حضورهم مجلس العقد و معرفة الولي و الصداق و ان تحول اسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته … “.
و لأخذ فكرة عن الطريقة التي تعامل بها القضاء بخصوص بحثه عن هذه الأسباب و اقامة الدليل على وجودها عند بدء العمل بالمدونة يرى الأستاذ عبد العزيز فتحاوي ان عدة معطيات تخفف من قوة ووقع الأسباب القاهرة من ذلك أن الإشهاد العدلي لم يعد شرط صحة في العقد، و انما اصبح شرط كمال من ذلك ايضا فتح المجال الجميع وسائل الإثبات.
أولا : إثبات الزواج بالكتابة
نصت المادة 16 مدونة الأسرة على ما يلي: “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج” . يتبين من خلال هذه المادة مدى أهمية إثبات العلاقة الزوجية باعتبارها من القضايا التي تطرح على القضاء بحدة، لارتباطها بوضعية الأسرة ولما لها من آثار اجتماعية، ومن حقوق كالنسب والإرث والنفقة. وهكذا، فإن عقد الزواج يعتبر حجة قاطعة لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، والهدف من هذه الكتابة إثبات الواقعة والشهادة عليها عند الجحود والإنكار.
فالإثبات بالكتابة هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق الشرعية والقانونية، حيث تعتبر البينة الخطية في العصر الحديث من أقوى الأدلة في مجال الأحوال المدنية والشخصية وعلى هذا يكون التوثيق هو إحكام وربط العقد بالكتابة، والإثبات هو البينة المكتوبة التي تدل على حق أو واقعة يراد إثباتها عند النزاع، أمام القضاء أو القانون، وبهذا تظهرالعلاقة بين التوثيق والإثبات.
ولقد أناط المشرع مهمة تحرير وثيقة عقد الزواج للعدلين منتصبين للإشهاد حيث يخاطب القاضي المكلف بالتوثيق على الشهادات العدلية بعد إتمام الإجراءات اللازمة والتأكد من خلوها من النقص وسلامتها من الخلل والالتباس ولا تكون الوثيقة تامة إلا إذا كانت مذيلة بخطاب قاضي التوثيق.
ثانيا : سماع دعوى الزوجية كاستثناء
نصت على إمكانية سماع دعوى الزوجية أو ما يطلق عليها بالبينة الشرعية في الفقرة الثانية من المادة 16 من المدونة بعد استحالة إثبات الزواج بوثيقة عقد الزواج، إذ تضمنت ما يلي: “إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة. تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمسة عشر سنة، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ”. علما أن هذه الفترة انتهت واصبح هذه الفقرة معطلة مادام لم يعد هناك أي تمديد آخر من طرف المشرع.
وقد كانت المحكمة تعتمد عند العمل بهذا المادة ففي حالة وجود ظروف حالت دون إبرام العقد وفق الشروط التي حددتها المدونة، مما يحتم سماع دعوى الزوجين، حيث تجري المحكمة البحث عن الظروف والقرائن المؤكدة لوجود العلاقة الزوجية معتمدة على جميع وسائل الإثبات بما فيها الاستماع إلى الشهود أو إجراء خبرة لإثبات علاقة البنوة إلى المدعى عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن المدونة استعملت مصطلح القوة القاهرة بدل مصطلح الحالة الاستثنائية والبينة الشرعية في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، وترك للفقه والقضاء تفسير هذه المصطلحات الفضفاضة ومما جاء في أحدهما، محكمة الابتدائية بالمحمدية حكم عدد 2005/705 كالتالي :
“… وحيث إن المحكمة من خلال الاستماع إلى تصريحات الطرفين والشهود تبين لها أن هناك ظروف استثنائية، حالت دون إنجاز عقد الزواج لسفرها خارج المغرب، كما ثبت لها قيام العلاقة الزوجية بين الطرفين وأنه تم بدب صداق الزوجة وحضر الزواج مجموع من الشهود، كما نتج عن هذه العلاقة ازدياد طفل… “.
وبالتالي فالمشرع حرص على مصلحة الأطفال وعلى الأسس الاجتماعية للأسرة خصوصا الأطفال الذين يولدون في زواج غير موثق حيث نص على أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
- حماد العراقي: شرح قانون الزواج المغربي.
- محمد الشافعي: الزواج وانحلاله في مدونة الأسرة، سلسلة البحوث القانونية 24.
- ادريس الفاخوري: قانون الأسرة المغربي، أحكام الزواج، انحلال الرابطة الزوجية، طبعة 2019.2020.
- محمد الكشبور: الواضح في مدونة الأسرة، الطبعة الثالثة 2015.
Share this content: