إقامة الدعوى العمومية من طرف الجهات غير القضائية

أولا – إقامة الدعوى العمومية من طرف المتضرر :

تنقسم الأنظمة القضائية الجنائية عادة إلى نظام اتهامي ونظام تفتيشي. وكانت الدول التي تنهج النظام الاتهامي تنيط بالمتضرر نفسه حق إقامة الدعوى العمومية أمام القضاء. وأما الأنظمة التي تعتمد النظام التفتيشي، فإنها تنيط هذه المهمة بأجهزة الدولة نفسها.

ولا يبدو أنه يوجد الآن في العالم نظام قضائي اختار سلوك النظام الاتهامي بكامل الصرامة أو النظام التفتيشي بكامل الدقة، وإنما نجد القوانين الإجرائية تدمج بعض قواعد النظام التفتيشي في صلب نظامها الاتهامي.

وبالمقابل فإن القوانين الأخرى التي اختارت الأسلوب التفتيشي تطعمه بكثير من قواعد النظام الاتهامي، ورغم أن المشرع المغربي جعل الاختصاص في ممارسة الدعوى العمومية وإقامتها من أهم صلاحيات قضاء النيابة العامة وبعض الموظفين، فإنه فتح نافذة للمتضرر ليستعمل سلطة إقامة الدعوى العمومية. وحق المتضرر في إقامة الدعوى العمومية – من الناحية المبدئية – هو حق عام وشامل لكافة الجرائم – إلا ما استثناه القانون . ولكن المتضرر لا يملك سوى حق إقامة الدعوى العمومية دون ممارستها.

وهكذا فقد خول المشرع للمشتكي حق إقامة الدعوى العمومية في قانون المسطرة الجنائية من خلال مجموعة من المواد، فالمادة الثالثة تنص على أنه “يمكن أن يقيمها -أي الدعوى العمومية – الطرف المتضرر طبقا للشروط المحددة في هذا القانون”، وتنص المادة 92 على أنه : ” يمكن لكل شخص ادعى أنه تضرر من جناية أو جنحة أن ينصب نفسه طرفا مدنيا عند تقديم شكايته أمام قاضي التحقيق المختص، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك “.

كذلك تنص المادة 348 من قانون المسطرة الجنائية على أن: “لكل شخص يدعي أنه تضرر من جريمة أن يتقدم بصفته طرفا مدنيا أمام هيئة الحكم، ما لم يكن قد سبق له أن انتصب طرفا مدنيا أمام قاضي التحقيق وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 92 وما بعدها إلى غاية المادة”.

يتضح أن المشرع منح للمتضرر من الجريمة الحق في إثارة الدعوى العمومية بشكاية مباشرة مصحوبة بالإدعاء المدني أمام المحكمة الزجرية أو قاضي التحقيق وهذا الحق هو عام وشامل لجميع الجرائم ما لم ينص القانون على خلاف ذلك “فقد تم استثناء بعض المساطر الخاصة بمتابعة بعض القضاء، الموظفين العموميين التي نظمتها المواد 264 إلى 268 من قانون المسطرة الجنائية”.

وقد جاء في قرار لمحكمة النقض بأن حق المتضرر في إقامة الدعوى العمومية ينحصر أثره في تحريك هذه الدعوى ووضعها بالمحكمة، في حين أن النيابة العامة تملك سلطة مباشرتها، ويبقى للمتضرر حق الادعاء المدني فقط .ويشترط القانون أن يكون المتضرر قد تعرض شخصياً لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت في الجريمة مباشرة. ويتعين على المتضرر أن يتقدم بشكايته إما إلى قاضي التحقيق أو إلى هيئة الحكم، وأن يدعمها بأسباب كافية، ويضمنها عرضا للأفعال المكونة للجريمة، ومبلغ التعويض المطلوب والأسباب المبررة للطلب.

ويشترط أن يكون المتضرر قد تعرض شخصيا لضرر جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة مباشرة، وتوفر مجموعة من البيانات في الشكاية المباشرة تحت طائلة عدم قبولها من قبيل الهوية الكاملة للمشتكي والمشتكى به ومحل سكناهما، وعرض الأفعال المكونة للجريمة والنصوص القانونية المنظمة لها وتاريخ ومكان ارتكاب وقوعها، وتحديد الأسباب الداعمة للادعاء والمبرر للطلب، وتحديد مبلغ التعويض إن اقتضى الحال أو إيراده بمذكرة المطالب المدنية.

ويتعين عليه كذلك أن ينصب نفسه مطالباً بالحق المدني حتى يتم قبول شكايته وأن يختار موطنا بدائرة المحكمة المرفوع إليها الطلب إذا كان يقيم خارج نفوذها .

وفي حالة عدم تعيين الموطن المختار لا يمكنه أن يحتج بعدم تبليغه الإجراءات. كما يتعين عليه أن يودع بكتابة الضبط المبلغ الذي يفترض أنه ضروري لمصاريف الدعوى داخل الأجل الذي يحدده له قاضي التحقيق أو المحكمة.

وإذا تعلق الأمر بالمطالبة بالتعويض أمام هيئة الحكم، فيشترط أن يودع المطالب بالحق المدني لزوما قبل الجلسة بكتابة الضبط، أو أثناء الجلسة بين يدي الرئيس، مذكرة مرفقة بوصل أداء الرسم القضائي الجزافي .

كما لا يمكن للجمعيات إقامة الدعوى العمومية نيابة عن المتضرر، ولكن يحق لها الانضمام كطرف مدني للدعوى العمومية التي يقيمها المتضرر أو النيابة العامة .

وحسب المادة السابعة من قانون المسطرة الجنائية فإن الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، والتي تأسست بصفة قانونية قبل ارتكاب الجريمة منذ أربع سنوات على الأقل، يمكنها أن تنتصب طرفا مدنيا بشأن جريمة تمس مجال اهتمامها المنصوص عليه في قانونها الأساسي، وذلك إذا كانت الدعوى العمومية قد تمت إقامتها من طرف النيابة العامة أو الطرف المدني.

ورغم أن النص لا يتحدث عن حق الجمعيات في مثل هذا التدخل إذا كانت الدعوى العمومية قد أقيمت من طرف جهة أخرى يخولها القانون هذا الحق، فنرى أنه لا مانع من قبول انتصاب الجمعية، لأن الغاية التي توخاها المشرع كانت هي عدم فسح المجال للجمعيات لتحريك الدعوى العمومية عن طريق الاستدعاء المباشر، وليس حرمانها من التدخل كطرف مدني متى كانت الدعوى العمومية قد تمت إقامتها من طرف جهة أخرى مختصة.

وتختلف مسطرة الادعاء المباشر أو الشكاية المصحوبة بالإدعاء المدني عن الشكاية المقدمة أمام النيابة العامة، حيث تحدد إجراءاتها المسطرية فيما يلي :

– توجيه الشكاية في اسم رئيس المحكمة أو قاضي التحقيق.

– أداء رسم قضائي قدره 150 دهم.

– أداء قسط جزافي قدره 100 درهم للتنصب كمطالب بالحق المدني المحدد بمقتضى الظهير الشريف الصادر في 30.12.1986 بشأن مصاريف القضاء الجنائي.

– إيداع مبلغ الوديعة بصندوق المحكمة داخل الأجل الذي يحدده قاضي التحقيق أو المحكمة والذي يخضع تقديره للسلطة التقديرية لهذين الأخيرين.

– وإذا كانت الدعوى موجهة ضد موظف عمومي أو قاض أو عون تابع للسلطة أو للقوة العمومية وتبين احتمال قيام مسؤولية الدولة عن أعمال تابعها، فإنه يتعين على قاضي التحقيق أو على المحكمة أن يشعر بإقامتها الوكيل القضائي للمملكة وفقا للشكل المنصوص عليه في الفصول من 37 إلى 39 من قانون المسطرة المدنية.

– ولا يمكن للمتضرر من الجريمة إقامة الدعوى العمومية عن طريق الادعاء المدني في مواجهة حدث ، ولكنه يمكن أن ينضم إلى الدعوى العمومية التي تقيمها النيابة العامة ويطالب بالحق المدني في مواجهة الحدث بإدخال المسؤول عنه مدنيا.

ويتم إحالة ملف القضية على النيابة العامة قصد الاطلاع وتسجيل مراجعه لديها وإحداث ملف نظير للملف الأصلي الذي يكون بحوزة المحكمة أو قاضي التحقيق لمتابعة مجريات القضية.

وأخيراً، فإن الدعوى العمومية المقامة والمثارة بناء على شكاية مباشرة تصبح ملكا للنيابة العامة، وبالتالي إن تنازل المتضرر عنها لا يضع حدا للمتابعة إلا إذا كانت الشكاية شرطا أساسيا ومطلوبة فيها، كما أن تحريك المتابعات عن طريق الادعاء المدني المباشر يفقد النيابة العامة سلطة الملاءمة.

ثانيا – الموظفون المكلفون بإقامة الدعوى العمومية :

أوردت المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية قاعدة عامة مفادها أنه يمكن إقامة الدعوى العمومية من طرف الموظفين المكلفين بذلك قانوناً. ويستفاد من ذلك أن القانون نفسه هو الذي يمنح هذا التكليف بإقامة الدعوى العمومية لبعض الموظفين خارج أسلاك قضاء النيابة العامة.

وقد أكد البند رقم 3 من المادة 384 من قانون المسطرة الجنائية هذا الرأي في حديثه عن كيفية رفع الدعوى العمومية إلى المحكمة، وجاء فيه أن “الدعوى ترفع باستدعاء يسلمه أحد أعوان الإدارة المأذون له بذلك قانوناً، إذا كان هناك نص خاص يسمح لهذه الإدارة بتحريك الدعوى العمومية”. وكأمثلة على أنواع الموظفين الذين كلفهم القانون بحق إقامة الدعوى العمومية، نذكر موظفي إدارة الجمارك وموظفي إدارة المياه والغابات:

1 – قضايا الجمارك :

ينص الفصل 249 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة أن الدعوى العمومية يمكن تحريكها من قبل النيابة العامة، والوزير المكلف بالمالية أو مدير إدارة الجمارك أو أحد ممثليه المؤهلين، كلما تعلق الأمر بالجنح الجمركية المنصوص عليها في الفصلين 279 مكرر مرتين و 281 . وأما بالنسبة للمخالفات المحددة في الفصول 285 و 294 و 297 و 299 من نفس المدونة، فإنه لا يمكن تحريك الدعوى العمومية إلا بمبادرة من وزير المالية أو مدير إدارة الجمارك أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك.

2 – قضايا المياه والغابات :

خول ظهير 1917/10/10 المتعلق بحفظ الغابات واستغلالها، لأعوان إدارة المياه والغابات (حلت محلها المندوبية السامية للمياه والغابات) حق متابعة مرتكبي المخالفات الغابوية وتوجيه الاستدعاء إليهم. وقد خول المشرع أعوان هذه الإدارة بالإضافة إلى حق إقامة الدعوى العمومية، حق ممارستها واستعمال الطعن.

وتجدر الإشارة أن الفصل 73 من ظهير 1917/10/17 بشأن حفظ الغابات واستغلالها قد منح أعوان إدارة المياه والغابات حق الطعن في الأحكام، مما يفيد أن حق هؤلاء الأعوان لا يقتصر على إقامة الدعوى العمومية فقط وإنما يشمل أيضاً ممارستها.

3 – قضايا الصيد البري :

عهد الظهير الشريف المؤرخ في 21 يوليوز 1923 المتعلق بمراقبة الصيد البري لإدارة المياه والغابات بالمتابعة من أجل المخالفات لمقتضيات الظهير المذكور. وقد جاء في الفصل 22 مكرر ” يعهد إلى إدارة المياه والغابات سواء لفائدة الدولة أو لفائدة مكتري حق الصيد – بالمتابعات عن تعويض المخالفات المقررة في ظهيرنا الشريف هذا، وتباشر الدعاوى والمتابعات من طرف مهندسي إدارة المياه والغابات بالنيابة عن الإدارة، وذلك بدون أن يمنع هذا من استعمال الحق المخول لوكيل الدولة العام (وكيل الملك)”.

4 – جهات أخرى :

هناك جهات أخرى أسند لها القانون مهمة إثارة المتابعة أو الإحالة على الجهة المختصة، ومن ذلك ما نصت عليه المادة 359 من قانون المسطرة الجنائية بشأن بت هيئة الحكم مباشرة في المخالفات التي ترتكب في الجلسة، حيث خول القانون لهيئة المحكمة التثبت من المخالفة والحكم فيها. وكما هو الشأن بالنسبة للغرفة الجنائية بمحكمة النقض والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف بالنسبة للجرائم المنسوبة لبعض أصناف القضاة والموظفين (المواد 264 و 265 و 266 و 267 و 268) من قانون المسطرة الجنائية.

Share this content:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *