الوكيل بالعمولة هو شخص مستقل يمتهن إبرام المعاملات التجارية لصالح تاجر آخر، ولكن تحت اسمه الخاص، مقابل أجر معين. يتخصص الوكيل عادة في مجالات محددة، مثل بيع أو شراء بضائع معينة، أو تقديم خدمات النقل بوسائل معينة، أو الوساطة في القيم المنقولة وغيرها…، ويرتبط الوكيل بالعمولة مع موكله بعقد يُعرف بعقد “الوكالة بالعمولة”، حيث تشير كلمة “العمولة” إلى المبلغ المالي أو النسبة المئوية من قيمة الصفقة التي يحصل عليها الوكيل مقابل خدماته.
وتُعتبر الوكالة بالعمولة من بين أقدم الأنظمة التجارية التي ظهرت لتلبية احتياجات الأسواق، حيث لعبت دوراً بارزاً في تسهيل التواصل بين المنتجين والتجار أو بينهم وبين المستهلكين، وكذلك بين التجار الكبار والصغار. ومع ظهور الثورة الصناعية، ازدادت أهمية الوكالة بالعمولة نظراً لدورها الاقتصادي الحيوي.
ورغم التطور الكبير في وسائل الاتصال والمواصلات الذي أتاح للشركات التجارية إبرام العقود مباشرة مع العملاء والموردين، لا تزال الوكالة بالعمولة تحتفظ بأهميتها، خاصة في مجال التجارة الدولية، لما توفره من مزايا تسهم في مساعدة التجار وتلبية احتياجاتهم التجارية بفعالية.
وأدى الدور المتزايد للوكالة بالعمولة إلى دفع المشرّع لوضع تعريف دقيق لها وتنظيمها بنصوص قانونية خاصة، مع الحرص على تمييزها عن السمسرة والوكالة التجارية. هذا التنظيم يعكس الواقع العملي ويهدف إلى ضمان وضوح العلاقة بين الأطراف المعنية وحماية حقوقهم في إطار هذه المعاملة التجارية.
أولا // تعريف عقد الوكالة بالعمولة وخصائصه :
1/ تعريف عقد الوكالة بالعمولة :
الوكالة بالعمولة ليست عقداً قائماً بذاته، بل تمثل عقداً تمهيدياً يهدف إلى تسهيل إبرام عقود أخرى بين الوكيل بالعمولة والغير لحساب الموكل. وهذا يعكس طبيعتها الغائية المتمثلة في تحقيق المعاملات التجارية المستهدفة.
وقد عرّف المشرّع المغربي الوكالة بالعمولة في الفقرة الأولى من المادة 422 من مدونة التجارة بما يلي : ” الوكالة بالعمولة عقد يلتزم بموجبه الوكيل بالقيام باسمه الخاص بتصرف قانوني لحساب موكله”، وعرفها المشرع المصري والمشرع الأردني بنفس التعريف.
وسواء تم تعريف الوكالة بالعمولة أو الوكيل بالعمولة، فإن جوهرها يكمن في أن الوكيل يتعاقد باسمه الشخصي مع الأطراف الأخرى، لكنه يقوم بذلك لصالح موكله ولحسابه. بمعنى أنه يتعامل مع الغير كما لو كان طرفاً أصيلاً في العقد، فيكتسب الحقوق ويتحمل الالتزامات. ومع ذلك، فإنه في الواقع ليس أصيلاً، بل هو وكيل مكلف بتنفيذ العمل لحساب الموكل الذي كلفه بذلك.
ورغم وضوح التعريفات المتعلقة بالوكالة بالعمولة، إلا أنها أغفلت عنصراً جوهرياً وهو الأجر. فالوكالة بالعمولة تُعد من عقود المعاوضة، حيث يتقاضى الوكيل أجراً مقابل الخدمات التي يؤديها لصالح موكله. وغالباً ما يتم الاتفاق على تحديد هذا الأجر بين الطرفين كنسبة مئوية من قيمة الصفقة التي تُبرم بموجب الوكالة.
يمكن تعريف الوكالة بالعمولة بناء على ما سبق بأنه عقد يُكلف بموجبه شخص، يُطلق عليه “الوكيل بالعمولة”، بالتعاقد مع الغير باسمه الشخصي، ولكن لحساب موكله، مقابل أجر يسمى “العمولة”. والوكيل بالعمولة ملزم قانونًا بنقل جميع الحقوق والالتزامات الناتجة عن العقد الذي أبرمه إلى موكله، مما يتيح للموكل العديد من الفوائد العملية.
2/ مزايا عقد الوكالة بالعمولة :
تُسهل الوكالة بالعمولة للتجار إبرام الصفقات، سواء تعلق الأمر بالبيع أو الشراء أو غيرهما، في أماكن بعيدة دون الحاجة إلى التنقل، مما يوفر الوقت والنفقات والجهد. كما تضمن حصولهم على حقوقهم، خاصة إذا كانت الوكالة بالعمولة مصحوبة بالضمان.
كما أن التجار المتواجدون في مكان إبرام العقد يفضلون التعامل مع الوكيل بالعمولة المقيم بينهم والمتمتع بثقتهم، بدلاً من التعاقد مع أجنبي يقيم في مكان بعيد عنهم ولا يُعلم حقيقة مركزه المالي. وتحقق الوكالة بالعمولة للتجار ميزة سرعة الاتصال المباشر بالوكيل، سواء من أجل إبرام التصرفات وتنفيذها أو لمعالجة ما قد يثور بين الطرفين من مسائل تتعلق بتنفيذ العقود.
وتُعتبر الوكالة في الغالب أداة مفيدة للموكل، حيث يؤدي الوكيل مهامه بما يحقق مصلحة الموكل. فإذا كان الوكيل مكلفاً بإجراء عملية بيع، فإنه عادةً يقوم بدفع الثمن إلى الموكل دون انتظار استكمال الصفقة مع الطرف الآخر، أو يمنح الموكل صلاحية سحب كمبيالات عليه في حدود قيمة البضائع. وفي حال كان الوكيل مكلفاً بالشراء، فإنه يتولى سداد ثمن البضاعة للبائع وتسليمها إلى الموكل، على أن يتم دفع الثمن للوكيل في وقت لاحق. ويباشر الوكيل هذه الأعمال وهو في مركز قانوني آمن نظراً لتمتعه بحق الامتياز وحق الحبس ضماناً لمستحقاته المالية قبل الموكل.
كما يستفيد الموكل، لا سيما إذا كان منتجاً لبضائع معينة، من خبرة الوكيل بالعمولة في التعرف على الأسواق التي تشهد طلباً على تلك البضائع، فضلاً عن قدرته على تحديد الأوقات الأنسب لتخزينها أو تصريفها. ويمكِّن ذلك المنتج من التركيز على عملية الإنتاج دون الانشغال بأعمال التوزيع.
كما يتمتع الوكيل بالعمولة، سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً، بمصلحة جوهرية في عقد الوكالة، نظراً لما يحققه من أرباح معتبرة مقابل قيامه بدور الوسيط في التعامل مع الغير.
3/ خصائص عقد الوكالة بالعمولة :
أ – تعاقد الوكيل بالعمولة مع الغير باسمه الخاص :
ينص المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 422 من مدونة التجارة على أن الوكيل بالعمولة يتصرف باسمه الخاص لحساب موكله، مما يجعله، من حيث المبدأ، يتشابه مع الوكيل العادي في تصرفه لحساب الموكل، ولكنه يختلف عنه من حيث الشكل القانوني للتعاقد، إذ يتعامل مع الغير باسمه الخاص، وليس باسم الموكل.
أما الفقرة الثانية من نفس المادة، فقد أقرّت بأن عقد الوكالة بالعمولة يخضع للمقتضيات المتعلقة بالوكالة العادية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قابلية هذا الإخضاع للتطبيق في ظل الاختلاف الجوهري بين الوكالتين.
ترتكز الوكالة بالعمولة على التعاقد الشخصي للوكيل وقد نص المشرع صراحة في الفقرة الأولى من المادة 422 من مدونة التجارة على هذه الخاصية المميزة للوكالة بالعمولة.
كما أنه نص المشرع المغربي بعبارة عامة على خضوع الوكالة بالعمولة لأحكام القواعد العامة للوكالة العادية، إلا أن ذلك لا يفيد خضوعها المطلق لتلك الأحكام في كافة الحالات. إذ إن الوكالة بالعمولة تظل محكومة في المقام الأول بالقواعد الخاصة المنصوص عليها في مدونة التجارة، ولا تسري القواعد العامة إلا في حدود ما لا يتعارض مع هذه القواعد الخاصة. أما في الحالة التي يبرم فيها الوكيل تعاقداً مع الغير باسم وحساب موكله، فإن تطبيق القواعد العامة يصبح أمراً بديهياً.
وباعتبار أن الوكيل بالعمولة يبرم التعاقد باسمه الخاص وليس باسم موكله، فإنه يظهر كالأصيل في العلاقة التعاقدية، حيث تُعتد إرادته وموافقته في إبرام العقد، وليس إرادة الموكل. وبالتالي، فإن الوكيل يتصرف كطرف في العقد، سواء بصفته بائعاً، أو مشترياً، أو مصدراً، ويكون في مركز الملتزم تعاقدياً كما هو الحال بالنسبة لأي طرف آخر في العقد. وبناءً على ذلك، يرتبط الوكيل تعاقدياً بالغير، ويكون مسؤولاً شخصياً عن تنفيذ الالتزامات التعاقدية تجاهه، حتى في الحالات التي يكون فيها الغير على علم بهوية الموكل.
و إذا قام الوكيل بالعمولة ببيع ما كُلّف ببيعه في إطار الوكالة، وامتنع الموكل عن تسليم البضاعة موضوع البيع، فإن الغير لا يملك سوى الرجوع على الوكيل باعتباره الطرف الذي تعاقد معه. وبالمثل، إذا لم يقم المشتري بسداد ثمن البضاعة المشتراة، فلا يحق للموكل مطالبته بالأداء، إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك. وعلى العكس، في حالة كانت الوكالة بالعمولة تتعلق بالشراء، فإنه بمجرد إبرام الاتفاق بين الوكيل والغير بشأن الشيء المبيع والثمن، لا يجوز للموكل أن يرفض البيع في مواجهة الغير، ولا أن يرفع دعوى بعدم قيام الاتفاق، إلا إذا نص القانون على استثناء يجيز ذلك.
أما في الوكالة العادية، يتعاقد الوكيل باسم الموكل وليس باسمه الشخصي، مما يجعل من الواضح أمام الغير أن الطرف الأصلي في التعاقد هو الموكل، بينما يعتبر الوكيل مجرد نائب عن الموكل في هذه العلاقة. ويترتب على ذلك أن الموكل يتحمل المسؤولية مباشرة تجاه الغير عن جميع الالتزامات الناشئة عن العقد. ذلك لأن التصرفات التي يبرمها الوكيل العادي تُنتج آثارها القانونية مباشرة في حق الموكل، سواء فيما يعود عليه من حقوق أو يترتب عليه من التزامات، وكأن الموكل هو من قام بإجراء تلك التصرفات بنفسه.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الوكيل، سواء في الوكالة العادية أو الوكالة بالعمولة، يعمل لحساب الغير. إلا أن الفرق الجوهري يكمن في أن الوكيل بالعمولة يتصرف باسمه الخاص، بينما يتصرف الوكيل العادي باسم موكله باعتباره نائباً عنه.
فالوكالة العادية تقوم بوضوح على فكرة النيابة، حيث يكون الوكيل مجرد ممثل للموكل في العلاقة التعاقدية. أما الوكالة بالعمولة، فإن طبيعتها تجعلها تنتمي إلى عقود النيابة غير الكاملة، حيث يتدخل الوكيل باسمه الشخصي مع بقائه ملتزماً بتنفيذ العقد لحساب الموكل.
ب – الوكالة بالعمولة عقد نيابة غير كاملة :
يتضح من تعريف المشرع المغربي للوكالة بالعمولة، كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 422 من مدونة التجارة، أن الوكيل بالعمولة يتميز بتصرفه باسمه الخاص ولحساب موكله. أما إذا تصرف باسم وحساب موكله، فإنه يُعتبر وكيلاً عادياً يتمتع بسلطة النيابة في التعاقد، ويخضع بذلك لأحكام قانون الالتزامات والعقود المتعلقة بالوكالة العادية.
ويُعد هذا التمييز الذي أقره المشرع منطقياً وعادلاً، حيث إن الوكيل بالعمولة، بتصرفه باسمه الخاص، يقدم خدمة ويتحمل مخاطر لا يتحملها الوكيل العادي. ومع ذلك، فإن هذا التحديد القانوني لمفهوم الوكيل بالعمولة قد لقي رفضاً من بعض الفقه. فهؤلاء يرون أن الوكالة بالعمولة تتحقق متى كان العمل تجارياً، حتى إذا تصرف الوكيل بالعمولة باسم موكله، في حين تتحقق الوكالة العادية عندما تكون العملية ذات طبيعة مدنية، حتى لو أبرم الوكيل العقد باسمه الخاص، كما تم الإشارة إليه سابقاً.
تترتب على الطبيعة الخاصة للوكالة بالعمولة مجموعة من النتائج القانونية المميزة، أهمها أن عقد الوكالة بالعمولة يُعد وسيلة خاصة لتمثيل مصالح الغير، وهي وسيلة لا تجد نظيراً مباشراً في قانون الالتزامات والعقود. وقد نشأت هذه الوسيلة خصيصاً لتلبية احتياجات التجار في إتمام العمليات التجارية بالاعتماد على خدمات تاجر آخر، مع الحفاظ على استقلالية الأطراف.
انطلاقاً مما سبق، يمكن تصنيف الوكالة بالعمولة على أنها “نيابة ناقصة”، كما يرى بعض الفقهاء. حيث يُعتبر الوكيل بالعمولة وكيلًا عاديًا، ولكنه نوع خاص من الوكلاء العاديين. ففي الوكالة بالعمولة، تكون النيابة موجودة، لكنها غير كاملة. فعلى الرغم من أن الوكيل بالعمولة يتصرف باسم نفسه، إلا أن العلاقة التعاقدية التي يقيمها مع الغير تكون مخصصة في الواقع لصالح الموكل، وتؤول حقوق وواجبات العقد إلى الموكل في النهاية
وبذلك، تُعتبر هذه النيابة “ناقصة” لأنها تُبقي على حاجز بين الموكل والغير، حيث لا يظهر الموكل في العقد، ولا يتصرف الوكيل باسمه مباشرة. بل إن الوكيل بالعمولة يتصرف باسمه الخاص، رغم أن الحقوق والالتزامات المترتبة عن العقود تظل موجهة للموكل في الواقع، ويتوجب على الوكيل نقلها إليه.
ج – الوكالة بالعمولة من عقود المعاوضة :
عقد الوكالة بالعمولة هو عقد معاوضة، حيث يحصل الوكيل بالعمولة على أجر مقابل التصرفات التي يقوم بها لصالح موكله. إذ يقوم الوكيل بالعمولة بإبرام الأعمال القانونية باسمه الخاص ولكنه يعمل لمصلحة الموكل. وعليه، فإن الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد تنصرف إلى الوكيل نفسه وليس إلى الموكل مباشرة. ومع ذلك، يلتزم الوكيل بنقل هذه الحقوق والالتزامات إلى الموكل. ويستحق الوكيل عمولته باعتباره الطرف الذي يتحمل تبعات الحقوق والالتزامات تجاه الغير، بالإضافة إلى مسؤوليته عن تنفيذ تلك الالتزامات. ولضمان حقوقه، منحه المشرع وسائل حماية إضافية مثل حق الحبس والامتياز، وهي امتيازات لا تُمنح للوكيل العادي.
إضافة إلى ذلك، يتميز الوكيل بالعمولة بممارسة مهنته بشكل احترافي، حيث يتولى إبرام العقود باسمه الشخصي لصالح موكله وبحساب الأخير، مما يمنحه صفة التاجر. وبناءً على ذلك، يستحق الوكيل بالعمولة أجرًا نظير مهنته. وعلى النقيض، تُعتبر الوكالة العادية في الأصل عملاً تبرعيًا، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. ومع ذلك، لا يُفترض التبرع في العلاقات التجارية بين التجار، أو عندما يُكلف الوكيل بإجراء عمل يندرج ضمن حرفته، أو إذا نص العرف على استحقاق أجر مقابل القيام بالأعمال المتعلقة بالوكالة.
د – الاعتبار الشخصي في عقد الوكالة بالعمولة :
رغم أن الوكالة بالعمولة تُتيح للتاجر فرصة مضاعفة نشاطه عبر الاعتماد على طرف آخر لتنفيذ العمليات التجارية، إلا أنها لا تخلو من مساوئ قد تلحق الضرر بالموكل. فمن الممكن أن يُسيء الوكيل استغلال الثقة الممنوحة له، كأن يخون الموكل الذي عهد إليه بالتصرف لمصلحته ولحسابه، أو أن يحوّل موضوع مهمته لتحقيق مكاسب شخصية. وفي نهاية المطاف، قد يجد الموكل نفسه مُلزمًا بشروط لا تتفق مع مصلحته، نتيجة تصرفات الوكيل التي قد تكون مدفوعة برغباته الذاتية بدلًا من الالتزام بمصلحة الموكل.
تشير الوكالة بالعمولة إلى علاقة تعتمد بشكل أساسي على الثقة بين الوكيل والموكل. فهذه الثقة هي التي تدفع الموكل إلى قبول الالتزامات الناشئة عن تصرفات يجريها الوكيل باسمه الخاص، مع العلم أن آثار هذه التصرفات ستعود على ذمة الموكل. وبالتالي، تستند العلاقة بين الطرفين إلى الاعتبار الشخصي، حيث يكون العقد قائماً على الثقة والمعرفة السابقة بينهما. تُعتبر هذه الخاصية ذات أهمية خاصة فيما يتعلق بانتهاء الوكالة، إذ تنتهي العلاقة بين الطرفين عند وقوع أسباب معينة مثل وفاة الموكل أو الوكيل، أو الحجر على أحدهما، أو الإفلاس.
خاصية الاعتبار الشخصي في الوكالة بالعمولة تتميز بوجودها القوي، حيث تُعتبر من أبرز خصائص هذا النوع من الوكالات. وعلى الرغم من أن الاعتبار الشخصي في الوكالة العادية قد يُظهر بعض المرونة، إلا أن الوكالة بالعمولة تتطلب التزامًا أكبر بهذا المبدأ. ولهذا السبب، أوجب المشرع في المادة 427 من مدونة التجارة على الوكيل أن ينفذ بنفسه الأوامر الصادرة من موكله، وحظر عليه تفويض مهمته إلى وكيل آخر، إلا إذا وافق الموكل صراحةً أو اقتضى العرف أو ظروف العملية ذلك.
ه – تجارية عقد الوكالة بالعمولة :
يتضح من طبيعة المهمة الموكلة إلى الوكيل بالعمولة، والتي تتمثل في إبرام التصرفات القانونية باسمه الخاص ولحساب موكله، أن نشاطه يُعد بمثابة حرفة تجارية. والنصوص القانونية التي تُنظم الوكالة بالعمولة تؤكد بوضوح الطابع التجاري لهذا النوع من الوكالات. فقد نصت المادة 6 من مدونة التجارة، في بندها 9، على أن نشاط الوكالة بالعمولة يُعتبر من الأعمال التجارية.
كما أن المشرع نظم عقد الوكالة بالعمولة ضمن الكتاب الرابع من مدونة التجارة، المخصص للعقود التجارية. وبناءً على ذلك، يكتسب الوكيل بالعمولة الصفة التجارية نتيجة ممارسته الاعتيادية أو الاحترافية لنشاط الوكالة بالعمولة، مما يجعله جزءًا من المجال التجاري في إطار القانون.
ومنه تؤكد مدونة التجارة الحالية الطابع التجاري للوكالة بالعمولة، بخلاف القانون القديم الذي كان يشترط لاعتبارها عملًا تجاريًا أن تُمارس من خلال مؤسسة أو مشروع. في الوقت الراهن، يُعد الوكيل بالعمولة الذي يمارس نشاطه بشكل احترافي تاجرًا بحكم القانون. ومع ذلك، يرفض بعض الفقهاء هذا التكييف الحرفي، معتبرين أن تصنيف نشاط الوكالة بالعمولة يحتاج إلى دراسة أعمق للطبيعة المدنية أو التجارية لهذا النشاط.
بالفعل، التصرف باسم الغير ولحسابه لا يكفي وحده لتحويل العمل المدني بطبيعته إلى عمل تجاري. على سبيل المثال، إذا قام الوكيل بالعمولة بشراء محصول زراعي من الفلاح لصالح موكله، فإن هذا العمل في أصله يُعتبر مدنيًا. ولكن، عندما يحترف الوكيل بالعمولة إجراء مثل هذه العمليات المدنية بشكل منتظم مع الغير، مثل شراء المحصولات الزراعية لصالح موكله، فإنه يُعد تاجرًا بحكم احترافه لهذا النشاط.
يتضح أن الوكالة بالعمولة تُعتبر تجارية فقط إذا كانت تُمارس من قبل شخص يحترفها أو يزاولها بصفة معتادة، بغض النظر عن طبيعة العمل الذي يقوم به، سواء كان مدنيًا أو تجاريًا. أما إذا قام شخص بالوكالة بالعمولة بشكل عرضي أو لمرات متفرقة لا تُحقق شرط الاعتياد أو الاحتراف، فإنه لا يُعد في نظر القانون وكيلاً بالعمولة.
الوكيل بالعمولة المحترف، الذي يزاول هذا النشاط بانتظام، يتمتع بحماية قانونية خاصة تُميز مركزه القانوني. وقد منحه القانون ضمانين أساسيين لاستيفاء حقوقه من الموكل، هما: حق الحبس الذي يسمح له بحبس الأموال أو البضائع المتعلقة بالوكالة حتى استيفاء حقوقه، وحق الامتياز الذي يمنحه أولوية في استيفاء حقوقه على غيره من الدائنين.
ومن ثم، فإن الطبيعة التجارية للوكالة بالعمولة تعتمد على احتراف الوكيل لهذا النشاط، وليس على طبيعة العمل ذاته. أما الشخص الذي يقوم بأعمال لحساب الغير مقابل أجر دون ممارسة هذا النشاط بصفة احترافية، فهو لا يستحق هذه الحماية القانونية.
ورغم خصوصية الوكالة بالعمولة، إلا أنها تُعد فرعًا من الوكالة العادية، حيث تشترك معها في كونها من أعمال الوساطة. وبما أن الوكالة بالعمولة تستمد أصولها من الوكالة العادية، فإنها تخضع في الأساس لأحكام الوكالة العادية، شريطة ألا تتعارض هذه الأحكام مع النصوص الخاصة المنصوص عليها في مدونة التجارة.
ومن جهة ثانية يتوقف اعتبار عقد الوكالة بالعمولة تجارياً أو مدنياً بالنسبة للموكل على طبيعة التصرف القانوني الذي تشمله الوكالة. فقد تكون الوكالة تجارية أو غير تجارية وفقاً لطبيعة النشاط. فإذا كان الموكل تاجراً وكانت الوكالة متعلقة بأعماله التجارية، تُعد الوكالة تجارية بالنسبة له استناداً إلى نظرية التبعية. أما إذا كان التصرف الذي يشمله العقد مدنياً، كأن يكون الموكل تاجراً ولكن التصرف لا يرتبط بتجارته، فتكون الوكالة مدنية بالنسبة له.
ثانيا // تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن بعض العقود المشابهة :
يندرج الوكيل بالعمولة ضمن فئة الوسطاء والمساعدين التجاريين، مما يستلزم التفرقة بين عقد الوكالة بالعمولة وبعض العقود الأخرى التي قد تبدو مشابهة له، مثل عقد الوكالة العادية، عقد استعارة الاسم، عقد العمل، وعقد المقاولة.
1/ تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن الوكالة العادية :
تتميز الوكالة بالعمولة عن الوكالة المدنية في عدة جوانب، حيث يتصرف الوكيل في الوكالة بالعمولة باسمه الخاص ولكن لحساب الغير، مما يجعله مسؤولًا أمام الطرف الثالث المتعاقد معه وأمام الموكل. على النقيض، في الوكالة المدنية يتصرف الوكيل باسم وحساب الموكل، كما هو منصوص عليه في الجملة الأولى من المادة 879 من قانون الالتزامات والعقود، التي تنص على أن ” الوكالة عقد بمقتضاه يكلف شخص شخصا آخر بإجراء عمل مشروع لحسابه”.
يتضح أنه في الوكالة العادية يظهر للغير المتعاقد مع الوكيل أن الطرف الأصلي في العلاقة التعاقدية هو الموكل، بينما يكون الوكيل مجرد نائب عنه. لذلك، فإن إرادة الموكل وموافقته هما ما يُعتد به في العقد وليس إرادة الوكيل. وهذا ما أقرته المادة 921 من قانون الالتزامات والعقود، حيث نصت على أن الوكيل الذي يتصرف ضمن حدود وكالته لا يتحمل أي التزام تجاه من يتعاقد معهم، ولا يحق لهم الرجوع إلا على الموكل.
وأكدت المادة 920 أن الوكيل إذا أبرم العقد باسمه الخاص يكتسب الحقوق الناتجة عنه ويكون ملتزمًا مباشرة أمام من تعاقد معهم، كأن الصفقة أُبرمت لحسابه.
أما في الوكالة بالعمولة، فإن الوكيل يظهر أمام الغير المتعاقد وكأنه الأصيل في العقد، حيث تعتمد العلاقة التعاقدية على إرادته وموافقته، وليس على إرادة الموكل. وتبقى الوكالة وكالة بالعمولة حتى إذا علم الغير بهوية الموكل، كما هو الحال عند ظهور علامة الموكل على المنتج.
2 / تمييز الوكالة بالعمولة عن التقرير بالشراء عن الغير :
تختلف الوكالة بالعمولة عن التقرير بالشراء عن الغير، الذي يُستخدم بشكل شائع في البيوعات القضائية، على الرغم من أن كلا الوكيل بالعمولة والوكيل في التقرير بالشراء عن الغير يتصرفان باسمهما الخاص ولكن لحساب الغير. ولتجنب عيوب عقد الاسم المستعار، مثل دفع ضريبة نقل الملكية مرتين، يمكن للطرفين استخدام اتفاق التقرير بالشراء عن الغير، المعروف أيضًا باسم “اصطفاء صديق”.
ويرتبط اتفاق التقرير بالشراء عن الغير بعملية بيع يقوم فيها المشتري بشراء مال معين بواسطة وسيط يُعرف بالمقر بالشراء عن الغير، ويصرح هذا الوسيط أثناء الشراء بأنه يتصرف لصالح طرف آخر أو لحساب شخص معين دون الكشف عن هويته للبائع، ويحتفظ بالحق في الإعلان عن المشتري الحقيقي خلال مدة قصيرة بعد إبرام العقد.
وإذا لم يقم بالإعلان عن المشتري الحقيقي في الوقت المحدد، يُعتبر أنه اشترى المال لحسابه الخاص، ويُعامل الاتفاق بينه وبين الموكل كأنه عقد باسم مستعار، مما يؤدي إلى نقل ملكية مزدوجة وتحمل ضريبة مزدوجة، لذلك، يجب على الأطراف التحرك بسرعة إذا أرادوا تجنب انتقال الملكية إلى الوسيط والحرمان من الاستفادة من مزايا النيابة. وبذلك تُعد هذه التقنية شكلاً من أشكال النيابة المشروطة.
يتبين من ذلك أنه إذا قام المقر بالشراء عن الغير بالإعلان عن هوية الطرف الحقيقي خلال المدة المحددة، وقبل الطرف المذكور الشراء، فإن اسم المقر يزول، وتنتقل الصفقة مباشرة إلى ذمة الموكل. بذلك يصبح المقر بالشراء عن الغير وكيلاً نيابياً عن المشتري الحقيقي في إبرام الصفقة، أما إذا لم يتم الإعلان عن الغير أو لم يقبل الغير الشراء، فإن المقر بالشراء عن الغير يبقى ملتزماً بالصفقة باسمه الخاص.
وبذلك يتشابه مركز المقر بالشراء عن الغير مع مركز الوكيل بالعمولة في أن كلاهما يتصرفان باسمهما الشخصي ولكن لحساب الموكل. ومع ذلك، يوجد فارق جوهري بينهما.
فالمقر بالشراء عن الغير يوضح منذ البداية أنه يقوم بالشراء لحساب شخص آخر، ويحتفظ بحق الإعلان عن هوية هذا الشخص، الذي هو المشتري الحقيقي، ضمن أجل محدد. إذا لم يقم بالإعلان في الوقت المحدد، يصبح هو الملتزم بالصفقة.
أما الوكيل بالعمولة، فيتعاقد مع الغير باعتباره طرفًا أصيلاً، ولا يُعلن للمتعاقد معه أنه يشتري لحساب غيره. وبالتالي، يتحمل الوكيل آثار الشراء مباشرة في مواجهة الطرف المتعاقد، ويكون ملزماً بنقل آثار البيع إلى الموكل.
3/ تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن عقد العمل :
بالنظر إلى الاستقلال الذي يتميز به الوكيل بالعمولة، وما يتمتع به من حرية في التعاقد مع عدة موكلين إذا كان ذلك في مصلحته، فإنه يختلف عن العامل الذي يخضع في أدائه لعمله لرقابة وإشراف مشغله. وبالتالي، يتميز عقد العمل بعنصر التبعية ولو في صورتها التنظيمية أو الإدارية.
كما أن الوكيل بالعمولة يتولى القيام بتصرف قانوني مثل البيع أو الشراء أو الإيجار أو الرهن، بينما يلتزم العامل تجاه مشغله بأداء عمل مادي أو ذهني تحت إدارة وإشراف المشغل. علاقة العامل بمشغله هي علاقة التابع بالمتبوع، في حين أن الوكيل بالعمولة لا يعمل بالضرورة تحت إشراف الموكل، ولا تقوم بينهما علاقة تبعية. إضافة إلى ذلك، فإن العامل لا ينوب عن مشغله، بينما الوكيل بالعمولة ينوب عن موكله نيابة ناقصة.
4/ تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن الممثل التجاري :
تعتمد المقاولات التجارية والصناعية لتوسيع أنشطتها وتنمية مداخيلها على “الممثلين التجاريين”، الذين تتعاقد معهم للبحث عن زبناء في منطقتها أو مناطق أخرى. يمتد دور الممثل التجاري إلى إبرام العقود مع هؤلاء الزبناء، ويتعين عليه عند التوقيع إضافة اسم التاجر المفوض أو عنوان الشركة المفوضة كاملاً مع عبارة “بالوكالة” أو ما يعادلها. الهدف من ذلك هو توضيح صفته كممثل عن التاجر وليس كطرف أصيل في التعاقد.
يُعد التمثيل التجاري عقداً قائماً على النيابة في التعاقد، حيث تنتهي مهمة الممثل بمجرد إبرام العقد مع الغير، لتنشأ علاقة مباشرة بين التاجر صاحب التفويض والمتعاقد معه. يظهر من هذا أن نشاط الممثل التجاري يشبه دور الوسيط بين التجار والزبناء.
يتضح من ذلك أن الوكيل بالعمولة يتعاقد باسمه الخاص ولحساب موكله، مما يجعله يظهر أمام الطرف الآخر كأصيل في التعاقد وليس كوكيل عن الغير. في المقابل، يقوم الممثل التجاري بتنفيذ الأعمال التجارية المفوضة إليه، مثل البحث عن الزبناء أو التعاقد معهم باسم ولحساب التاجر المفوض.
يتميز الوكيل بالعمولة بنوع من الاستقلالية في ممارسة نشاطه، في حين يرتبط الممثل التجاري بعلاقة شغل مع التاجر أو المقاولة، ما يجعل علاقته علاقة تابع بمتبوع، ويخضع لمقتضيات مدونة الشغل. لهذا السبب، لا يكتسب الممثل التجاري صفة التاجر، مما يميزه عن الوكيل بالعمولة.
ومع ذلك، إذا كان الممثل التجاري يمثل عدة مقاولات، ويتعاقد باسمه الخاص دون الكشف عن هوية المقاولة التي يعمل لحسابها، ويبرم العقود مع الغير بناءً على إرادته المستقلة، فإنه في هذه الحالة يُعد وكيلاً بالعمولة.
5/ تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن الامتياز التجاري :
الامتياز التجاري هو عقد يلتزم بموجبه الطرف المتنازل إليه بحصر نشاطه في منطقة جغرافية محددة على توزيع بضائع ينتجها طرف آخر يُعرف بمانح الامتياز، الذي يتعهد بدوره بتمكين المتنازل إليه من احتكار إعادة بيع هذه البضائع داخل المنطقة المتفق عليها.
يتبين من هذا التعريف أن عقد الامتياز التجاري يتمحور حول عملية بيع البضائع، حيث يلتزم مانح الامتياز بقصر عملية البيع على المتنازل إليه ضمن نطاق جغرافي محدد. في المقابل، يلتزم المتنازل إليه بشراء البضائع وتحمل مخاطر إعادة بيعها للغير، مع ضمان الوفاء بثمنها كاملاً. كما يتمتع المتنازل إليه بحق احتكار بيع البضائع سواء بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء، دون أن يُسمح له بإعادة إنتاجها. من جانبه، يتعهد مانح الامتياز بعدم منح نفس الامتياز لأي طرف آخر في نفس المنطقة الجغرافية، ويمنع عليه أيضاً البيع المباشر للجمهور داخل تلك المنطقة.
ويتمتع المتنازل إليه باستقلال قانوني، حيث يُعتبر تاجراً يتحمل مخاطر شراء البضائع موضوع الامتياز وإعادة بيعها للغير في المنطقة الجغرافية المحددة. كما يتعاقد مع الأطراف الأخرى باسمه ولحسابه الخاص، لكنه يعمل ضمن إطار إشراف ورقابة مانح الامتياز، مما يضعه في علاقة تُعرف “بالتبعية الاقتصادية”.
يتضح مما سبق أن المستفيد من حق الامتياز التجاري يرتبط مع مانح الامتياز بعقد يركز في جوهره على البيع، خاصة فيما يتعلق بتسليم البضائع ونقل ملكيتها وأداء ثمنها. في المقابل، الوكيل بالعمولة يرتبط مع الموكل بعقد وكالة بالعمولة، مما يعني أنه عند إعادة بيع البضائع موضوع الامتياز، يتعاقد المتنازل إليه مع الغير باسمه ولحسابه الخاص. أما الوكيل بالعمولة، فإنه يتعاقد باسمه الخاص ولكن لحساب موكله، حيث تنتقل آثار التصرفات التي أبرمها إلى الموكل في النهاية. وبالتالي، تقوم الوكالة بالعمولة على أساس النيابة، حتى وإن وصفت بالنيابة الناقصة. على النقيض، المتنازل إليه في عقد الامتياز التجاري لا يُعتبر نائباً عن مانح الامتياز.
وعلى الرغم من استقلال المتنازل إليه قانونياً بصفته تاجراً يتعاقد باسمه ولحسابه الخاص، فإنه يختلف عن الوكيل بالعمولة من حيث طبيعة العلاقة مع الطرف الآخر. فعقد الامتياز التجاري يُخضع المتنازل إليه لتبعية اقتصادية تجاه مانح الامتياز، مما يقلل من درجة استقلاله مقارنة بالوكيل بالعمولة، الذي يتمتع باستقلال أكبر في إطار العلاقة التعاقدية التي تربطه بالموكل.
6/ تمييز عقد الوكالة بالعمولة عن وكالة الأعمال :
عند تعداد الأنشطة التجارية في المادة 6 من مدونة التجارة، أشار المشرع بشكل مقتضب في البند 13 إلى “تجارية وكالة الأعمال”، وذلك ضمن قائمة تضم مكاتب ووكالات الأعمال والأسفار والإعلام والإشهار. غير أن المشرع لم يمنح وكالة الأعمال تنظيماً خاصاً ومفصلاً، بخلاف ما فعله مع السمسرة والوكالة التجارية والوكالة بالعمولة، رغم الأهمية المتزايدة لوكالة الأعمال وانتشارها في الوقت الراهن.
ويمكن اعتبار وكيل الأعمال هو كل شخص تكمن مهمته في إدارة أعمال الغير، و يتضح من هذا التعريف الموجز أن مهام وكيل الأعمال تتسم بالتنوع وعدم التجانس، كما أن مضمونها واسع ومتغير بتغير وتنوع مجالات الأعمال. وهذا ما يجعل من الصعب تحديدها بشكل دقيق أو الإحاطة بجميع جوانبها. وبصفة عامة، فإن وكيل الأعمال يتولى رعاية مصالح الغير وإدارتها في مجالات متعددة تشمل الشراء والبيع وكراء العقارات أو الأصول التجارية، وتحصيل الديون، ومختلف الأنشطة التجارية.
وبناءً على ذلك، انقسمت وكالة الأعمال إلى أنواع متعددة، منها: الوكيل الرياضي، ووكيل الأبحاث أو الاستعلامات، والوكيل العقاري، ووكيل الأسفار والسياحة، ومكاتب تحصيل الديون، ووكالات المسارح والفنون، ووكالة المنازعات، ووكالات الإشهار وغيرها. وعليه، يظهر أن وكيل الأعمال يقوم بأنشطة متنوعة، مما جعله يحمل هذا الوصف الجامع.
يزداد الأمر تعقيدًا عندما نلاحظ أن وكلاء الأعمال ينتمون بصفة عامة إلى دائرة الوسطاء، وهي الدائرة التي تضم فئات متعددة، مثل: الممثلين التجاريين، والسماسرة، والوكلاء بالعمولة، والوكلاء التجاريين، وغيرهم. فجميع هؤلاء غالبًا ما يتخذون صفة “وكلاء”، كما أن أنشطتهم تخضع لنشاط المقاولة. ومن هنا يثار التساؤل: كيف يمكن التمييز بين وكالة الأعمال والوكالة بالعمولة
يتميز وكلاء الأعمال بمجموعة من المعايير، حيث إنهم يُعتبرون تجارًا بحكم طبيعة عملهم، ويمارسون مهام الوساطة التي تعد بطبيعتها عملًا تجاريًا. كما أنهم يجعلون من الوساطة مهنة اعتيادية لهم، مما يعني أنهم يمارسون هذا النشاط بصورة احترافية. وباعتبارهم مهنيين، فإنهم يتلقون مقابلًا ماليًا نظير أداء مهامهم. إضافة إلى ذلك، يخضع وكلاء الأعمال لقواعد مدونة التجارة ولكافة الالتزامات المفروضة على التجار
قد يقتصر دور وكيل الأعمال أحيانًا على البحث عن الزبناء وتوجيههم وإقناعهم بالتعاقد مباشرة مع الشخص الذي فوّضه بذلك، حيث يقتصر عمله في هذه الحالة على نشاط مادي يتمثل في التوسط لإيجاد طرف آخر لإبرام عقد معين. غير أن مهام وكيل الأعمال قد تتجاوز في كثير من الأحيان هذا المفهوم الضيق للوساطة، لتشمل إبرام العقود باسم موكله ولحسابه. لذلك، فإن أي تكييف قانوني لوكالة الأعمال يجب أن يراعي هذا التنوع والمرونة في الأنشطة التي يباشرها وكيل الأعمال.
وهكذا، عندما يقتصر دور وكيل الأعمال على تقريب وجهات النظر بين المتعاقدين، مثل التوفيق بين المعلن والبائع، فإنه يُعد سمسارًا وفقًا لبعض الأحكام القضائية الفرنسية. ولكن إذا تجاوزت مهامه مجرد التقريب إلى إبرام عقد الإشهار باسم المعلن، مع تقديم إرشادات حول تأثير الرسالة الإعلانية وحدودها، فإنه يُصنف كوكيل أعمال. ومع ذلك، هناك من يعتبر أن هذه المهام تُشكّل في جوهرها عقد مقاولة، وليس وكالة بالمعنى الضيق للكلمة.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال أن وكلاء الأعمال يُعتبرون في كثير من الأحيان وكلاء مهنيين يتصرفون باسم ولحساب موكليهم، كما هو الحال بالنسبة للوكيل العقاري، ومكاتب تحصيل الديون، ووكالات الأسفار والسياحة. وفي حالات أخرى، قد يرتبط وكلاء الأعمال بزبنائهم بموجب عقد مقاولة.
وعندما يُدرج وكيل الأعمال ضمن دائرة الوسطاء، يصبح من الصعب تمييزه عن غيره من الوسطاء استنادًا إلى طبيعة العقد الذي يبرمه مع زبونه. ولهذا السبب، وصف بعض الفقه وكيل الأعمال بأنه الشخص الذي لا يمكن إدراجه ضمن فئة محددة أو خاصة من الوكلاء، نظرًا لتنوع الأنشطة التي يقوم بها وتداخل مهامه مع مهام الوسطاء الآخرين.
وبالنظر إلى تعدد الأنشطة التي تندرج ضمن مهام وكيل الأعمال، يمكن اعتبار أن وكالة الأعمال تمثل عقدًا مركبًا، يجمع بين خصائص عقد الوكالة وعقد المقاولة، حيث تهدف كلاهما إلى تقديم خدمة للغير. ومثال ذلك المهندس الذي يبرم مع زبونه عقد مقاولة لتنفيذ مشروع معين، إذ لا يمكن اعتباره وكيلاً إلا إذا أوكلت إليه مهام تتضمن القيام بتصرفات قانونية معينة باسم ولحساب زبونه.
وقد تكون وكالة الأعمال عبارة عن عقد وكالة محض، يتعهد بمقتضاها الوكيل بإبرام عقود معينة، كعقود الشراء لفائدة الموكل. كما قد تكون مجرد عقد مقاولة، عندما تقوم على أساس إنجاز أعمال مادية، مثل تكليف الوكيل العقاري بدراسة صفقة معينة. وقد يجتمع الوصفان معًا في إطار عقد واحد، وفي هذه الحالة يتم تطبيق قاعدة “الفرع يتبع الأصل”، حيث تُصنف العملية برمتها كعقد وكالة.
وعلى الرغم من التداخل بين الوكالة والمقاولة، وبالنظر إلى وحدة الموضوع الذي يجمع بينهما، يبقى التمييز بينهما ممكنًا. فالوكالة تلزم الوكيل بالتصرف باسم ولحساب الموكل، بحيث تنصرف آثار التصرفات القانونية التي يبرمها مباشرة إلى ذمة الموكل. أما عقد المقاولة، فيقتصر على إنجاز أعمال مادية، مع إمكانية أن يقوم الشخص ذاته بالتصرفات القانونية والمادية معًا، وهو أمر معروف وجائز. وهذا التداخل يؤدي إلى اعتبارنا أمام عقد مركب يتطلب حلولًا قانونية خاصة تراعي طبيعة كل عنصر من عناصره.
وبالفعل، إذا كانت الأعمال المادية التي يُكلّف بها وكيل الأعمال تُعد من مستلزمات التصرفات القانونية الموكلة إليه، فإن وكالة الأعمال تُعتبر وكالة بالمعنى التقليدي، حيث تسهم تلك الأعمال المادية في إتمام مهمة الوكيل، مما يخضعها لنظام الوكالة العادية التي تقوم على النيابة في التعاقد. أما إذا اقتصر تدخل وكيل الأعمال على القيام بالأعمال المادية دون أن يرتبط بعقد وكالة، فإنه يخضع لنظام عقد المقاولة، كما هو الحال في عقود النصح والإرشاد.
ومن خلال هذا التكييف لوكالة الأعمال، يظهر بوضوح الاختلاف بينها وبين الوكالة بالعمولة. ففي الوكالة بالعمولة، يقوم الوكيل بإبرام التصرفات القانونية باسمه ولحساب الموكل، بينما في وكالة الأعمال، يتم إبرام التصرفات القانونية باسم وحساب الموكل، مما يؤدي إلى نشوء علاقة قانونية مباشرة بين الموكل والغير الذي أبرم معه الوكيل التصرف موضوع التفويض
إضافة إلى ذلك، يمكن أن يُكلف وكيل الأعمال بالقيام بالأعمال المادية وحدها، مثل تقديم الإرشادات أو المعلومات عن عقد أو موضوع معين، أو القيام بدراسة صفقة معينة، أو البحث عن الزبناء وتقديمهم للموكل. وقد يترافق ذلك مع التصرفات القانونية. أما الوكيل بالعمولة، فلا يتم تكليفه بتنفيذ الأعمال المادية بشكل مستقل عن إبرام التصرفات القانونية التي تخص الوكالة بالعمولة.
وكذلك، لا يخضع أجر وكيل الأعمال والمصاريف المستحقة له تجاه الموكل لأي امتياز معين سوى حق الحبس. وبذلك، يعد وكيل الأعمال مدينًا عاديًا للموكل فيما يتعلق بالأجر والمصاريف، ويطالبه بها وفقًا للقواعد العامة. أما في حالة الوكيل بالعمولة، فإنه يتمتع بامتيازات إضافية، بما في ذلك الحق في الحبس، مما يمنحه وضعًا قانونيًا مميزًا مقارنةً بوكلاء الأعمال.
ثالثا // أنواع الوكالة بالعمولة :
عقد الوكالة بالعمولة يشمل مجموعة متنوعة من العمليات القانونية، حيث يمكن للوكيل بالعمولة أن يختص في نوع معين من هذه العمليات التجارية. يترتب على هذا التخصص اختلاف التسميات وفق النشاط الذي يختاره الوكيل.
1/ الوكالة بالعمولة في البيع :
نظرًا لصعوبة إشراف الصناع وتجار الجملة على بيع بضائعهم مباشرة في المناطق البعيدة، استعانوا بوكلاء بالعمولة موثوقين، وفوضوا إليهم صلاحية إتمام عمليات البيع لحسابهم، ولكن تحت الأسماء الشخصية لهؤلاء الوكلاء. جاء ذلك تلبيةً لتفضيل المستهلكين أو التجار بالتقسيط التعامل مع تجار محليين يقيمون في نفس المنطقة.
تُعتبر الوكالة بالعمولة في البيع أولى صور الوكالة بالعمولة التي تصورها واضعو القانون التجاري الفرنسي القديم، وكذلك القانون التجاري المغربي لاحقًا. فقد كان العمل في بدايات تطبيق الوكالة بالعمولة يقتصر على قيام التجار أو الصناع الذين يواجهون صعوبات في تسويق منتجاتهم في المناطق البعيدة، بإرسال بضائعهم إلى الوكلاء. وتُودع هذه البضائع في مستودعاتهم أو مستودعات مأجورة، ليقوم الوكلاء ببيعها للزبائن. وبعد إتمام عملية البيع، يُسلم الوكيل الثمن للموكل بعد تحصيله من المشتري.
نظرًا لأن الوكيل بالعمولة يتسلم البضائع من الصانع أو التاجر، فإنه يُعتبر في نفس الوقت مودعًا لديه عند الاقتضاء، حيث تُودع لديه هذه البضائع بهدف بيعها أو توزيعها، مما يُلزمه بالحفاظ عليها. يتحمل الموكل جميع المصاريف اللازمة لهذا الغرض. كما أن الوكيل بالعمولة لا يُصبح مدينًا بالثمن بمجرد تسلمه للبضائع، إذ إن المشتري هو من يقوم بدفع الثمن من خلال ذمة الوكيل بالعمولة. أما البضاعة موضوع الوكالة بالعمولة، فيتم نقلها مباشرة إلى المشتري، حيث لا يكون الوكيل مكلفًا بإعادة البيع. فهو يتسلم البضاعة من الموكل ويبيعها للزبائن باسمه، لحساب الموكل، وبالثمن الذي يحدده الأخير.
ويرى بعض الفقهاء أن الوكالة بالعمولة في البيع قد أصبحت أقل فائدة في الوقت الراهن، وذلك بسبب تطور الشركات الكبرى التي أنشأت فروعًا لها بالقرب من الزبائن في المناطق البعيدة عن المصنع أو تاجر الجملة. كما بدأت هذه الشركات تعتمد على ممثليها التجاريين الثابتين في مناطق معينة أو المتنقلين الذين يتواصلون مباشرة مع الزبائن، مما قلل الحاجة إلى الوكلاء بالعمولة التقليديين في بيع البضائع.
2/ الوكالة بالعمولة في الشراء :
يُصنَّف الوكيل بالعمولة في الشراء، شأنه شأن الوكيل بالعمولة في البيع، ضمن فئة الوكلاء بالعمولة العاملين في مجال البضائع. وفي هذه الحالة، يُكلف الوكيل بشراء البضائع المفوض بشرائها باسمه الخاص ولحساب موكله، مع الالتزام بالسعر المحدد من قبل الموكل.
تُعد الوكالة بالعمولة في الشراء أقل انتشارًا مقارنة بالوكالة بالعمولة في البيع، نظرًا لما تنطوي عليه من مخاطر بالنسبة للوكيل بالعمولة، حيث يصبح في هذه الحالة مشتريًا ومدينًا بثمن البضائع. بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه الموكل صعوبة في التحقق من طبيعة وجودة البضائع التي اشتراها الوكيل لحسابه، مما قد يؤدي إلى احتمالية رفض الموكل للصفقة، عرقلة تنفيذها، أو اختلاق أعذار للتملص من الالتزام بها.
3/ الوكيل بالعمولة في نقل البضائع :
تعد الوكالة بالعمولة في مجال نقل البضائع شكلاً من أشكال الوساطة في عمليات النقل بأنواعها المختلفة. في هذا الإطار، يقوم الوكيل بالعمولة بإبرام اتفاق باسمه الشخصي مع الناقل نيابة عن موكله (المرسل). وبالتالي، لا يتولى الوكيل تنفيذ عملية النقل بنفسه، بل يعتمد على ناقل أو أكثر يتعاقد معهم باسمه الشخصي لإتمام عملية النقل لصالح موكله.
وتتناول مدونة التجارة تنظيم عمل الوكلاء بالعمولة في نقل البضائع ضمن قسم خاص يشمل المواد من 430-1 إلى 430-6. ووفقًا للمادة 430-1، تخضع الوكالة بالعمولة في هذا المجال للأحكام المتعلقة بعقد الوكالة، إضافة إلى القواعد المنصوص عليها في هذا القسم، وكذلك القوانين والأنظمة المعمول بها التي تنظم الوكالة بالعمولة. ويُعتبر الوكيل بالعمولة تاجراً، مما يجعله ملتزماً بالواجبات التي تُفرض على التجار بوجه عام.
وقد خصصت مدونة التجارة باباً مستقلاً لعقد نقل الأشياء، وهو الباب الثاني من القسم السادس، الذي يشمل المواد من 445 إلى 475. بناءً على ذلك، يجب التفرقة بين الوكالة بالعمولة في نقل البضائع وعقد نقل البضائع. فالناقل، بموجب عقد النقل، يتولى تنفيذ عملية النقل بنفسه، بينما يعتمد الوكيل بالعمولة في نقل البضائع على ناقلين آخرين لإجراء النقل. وبالتالي، يرتبط التزام الوكيل بالعمولة بعمل قانوني يتمثل في إبرام عقد النقل نيابة عن المرسل، وليس بعملية النقل المادية ذاتها، التي تعني تغيير موقع البضائع.
ومع ذلك، قد يحدث أن يتولى الوكيل بالعمولة بنفسه جزءاً معيناً من عملية النقل كأحد مراحل النقل المتعاقب، ثم يبرم عقوداً مع ناقلين آخرين باسمه ولصالح المرسل. في هذه الحالة، يكون الوكيل مسؤولاً أمام الموكل عن أفعاله الشخصية، كالإخلال بالتزاماته التعاقدية، وأيضاً عن أفعال الناقلين الذين اختارهم لإتمام عملية النقل. لكنه يتمتع بحق الرجوع على الناقلين لاسترداد ما دفعه من تعويضات للمرسل إذا كان الضرر ناتجاً عن أفعالهم.
وفيما يتعلق بالوكيل بالعمولة في نقل البضائع، فإنه عادة ما يتعاقد باسمه الشخصي لصالح موكله، وقد لا يتمكن المرسل من معرفة هوية الناقل، وهذا هو الوضع الطبيعي. أما في حالة عقد نقل الأشخاص، فالأمر يختلف تماماً، إذ إن الموكل في هذه الحالة هو الشخص المسافر نفسه، وهو المعني بعملية النقل من مكان إلى آخر. أما الوكيل الذي يتدخل في هذا النوع من العقود، فلا يمكن أن يكون سوى وكيل تجاري يتعاقد باسمه ولصالح الموكل.
يُعتبر الوكيل بالعمولة في نقل البضائع إذن وسيطاً يُشرف على تنظيم عملية النقل بالكامل، حيث يتعاقد باسمه الخاص ويتحمل المسؤولية عن الاتفاقيات التي يبرمها مع أصحاب وسائل النقل. ويتمتع الوكيل بحرية اختيار الوسائل المستخدمة لتنفيذ النقل، مما يجعله مسؤولاً أيضاً عن تأمين العملية. وفي بعض الأحيان، قد تتصرف نفس المقاولة مرة كوكيل بالعمولة أو كناقل.
يتبين مما سبق أن الوكيل بالعمولة في نقل البضائع هو وسيط يتولى تنظيم وتنفيذ عملية نقل البضائع وفقاً للشروط المنصوص عليها في مدونة التجارة. يقوم بذلك باسمه الخاص وتحت مسؤوليته، مع حرية اختيار الوسائل المناسبة لتنفيذ النقل لصالح موكله.
رابعا // إبرام عقد الوكالة بالعمولة وإثباته :
1/ إبرام عقد الوكالة بالعمولة :
لم يتناول المشرع التجاري بشكل محدد كيفية إبرام عقد الوكالة بالعمولة، بل اكتفى بالنص في المادة 422 من مدونة التجارة على أن الوكالة بالعمولة تخضع للمقتضيات المتعلقة بالوكالة والقواعد المنظمة للوكالة بالعمولة. وبناءً على ذلك، فإن إبرام الوكالة بالعمولة يتم بتراضي الطرفين وفقًا للفصل 883 من قانون الالتزامات والعقود، مع ضرورة توفر الأركان الموضوعية المطلوبة لعقد الوكالة بصفة عامة، دون أن تكون هناك أي شكلية محددة يجب احترامها من قبل الطرفين.
ويشترط الفصل 880 من قانون الالتزامات والعقود لصحة الوكالة المدنية أن يكون الموكل أهلاً لإجراء التصرف الذي يكون محلاً للوكالة بنفسه، بينما لا تُشترط نفس الأهلية في الوكيل، لأنه يتصرف باسم الموكل ولحسابه دون أن يتحمل شخصياً أي التزام تجاه المتعاقدين معه. أما بالنسبة للوكالة بالعمولة، فلا تُعد صحيحة إلا إذا توفرت الأهلية التجارية لدى كل من الموكل والوكيل، نظراً لأن الوكيل بالعمولة يُبرم التصرف محل الوكالة باسمه الشخصي ولحساب الموكل.
يشترط تطابق الإيجاب مع القبول بخصوص طبيعة العمليات محل الوكالة، ونوع البضاعة، وكميتها، وثمنها. ويمكن أن يكون الرضا، الذي يُشترط خلوه من العيوب، مكتوباً أو شفوياً، صريحاً أو ضمنياً. ويُعد الرضا ضمنياً إذا كانت هناك علاقات عمل اعتيادية بين الطرفين. ويتحقق رضا الوكيل إذا كلفه الموكل بالقيام ببعض الأعمال ولم يعترض عليها، أو إذا رفض التكليف ومع ذلك قام بتنفيذ العملية المطلوبة، فيُعتبر رضاه متحققاً.
ويرى بعض الفقه والقضاء أنه يمكن اعتبار سكوت الوكيل الذي يقدم إيجاباً مستمراً بمثابة قبول للمقترحات الموجهة إليه، مما يشكل استثناءً من القاعدة التي تقول أن السكوت لا يُعد قبولاً. ومع ذلك، يظل من حق الوكيل رفض العقد المقترح عليه، بشرط أن يُعبر عن رفضه بسرعة لتجنب اعتباره قبولاً ضمنياً. في حالة الرفض، يتعين على الوكيل اتخاذ التدابير الضرورية لحماية البضائع المرسلة إليه، مثل إيداعها في مكان آمن كالمخزن العام، لتفادي هلاكها.
وفي بعض الحالات، قد لا يكون للوكيل الحق في رفض التعاقد، خاصة إذا كان يحتكر الخدمات التي يقدمها كوسيط، كما هو الحال مع شركات البورصة. أما فيما يتعلق بسبب ومحل العقد، فإنهما يخضعان للقواعد العامة، ويعتبر عقد الوكالة باطلاً إذا كان المحل أو السبب غير مشروع.
2/ إثبات عقد الوكالة بالعمولة :
يُعد عقد الوكالة بالعمولة غالباً عقداً تجارياً بالنسبة للطرفين، مما يجعل من المناسب تطبيق قواعد الإثبات المعمول بها في المادة التجارية عليه. وبناءً على ذلك، لا يُشترط وجود محرر رسمي أو عرفي، كما أنه في حال غياب عقد مكتوب، يمكن إثبات وجود الوكالة بجميع الوسائل المتاحة.
ويُعتد في هذا السياق بكل الدلائل والقرائن التي تثبت رضا الطرفين، مثل المراسلات المكتوبة، شهادات الشهود، الاتصالات الهاتفية، أو الإعلانات الصادرة عن الموكل.
خامسا // آثار عقد الوكالة بالعمولة في مواجهة طرفيه :
يرتب عقد الوكالة بالعمولة التزامات على عاتق كل من الوكيل بالعمولة والموكل.
1/ التزامات الوكيل بالعمولة :
أ – الالتزام بتنفيذ الوكالة :
يُلزم الوكيل بالعمولة بتنفيذ الوكالة بكل إخلاص، مما يعني أنه ملزم بإبرام التصرفات محل الوكالة باسمه الشخصي ووفقاً لتعليمات الموكل. وفي حال الإخلال بهذا الالتزام، يتحمل الوكيل المسؤولية المترتبة على ذلك. وعليه، يجب على الوكيل البحث عن مشترين في حال تكليفه ببيع البضائع، أو على العكس، البحث عن البائعين إذا كان مكلفاً بالشراء. ويشمل هذا الالتزام القيام بجميع الإجراءات اللازمة لإتمام التصرف المطلوب.
كما يلتزم الوكيل بتسلم أو أداء الثمن لحساب الموكل، وذلك وفقاً لطبيعة المهمة الموكلة إليه، سواء كانت بيعاً أو شراءً. وعند تسلمه البضائع، يلتزم بالحفاظ عليها واتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامتها. كما يجب على الوكيل بالعمولة، أثناء تنفيذ التزاماته، الالتزام بحدود التعليمات الصادرة إليه من الموكل، وعدم تجاوزها.
ووفقاً للمادة 427 من مدونة التجارة، يتعين على الوكيل بالعمولة تنفيذ الأوامر التي يتلقاها من موكله بنفسه. ومع ذلك، يمكنه أن ينيب غيره في تنفيذها إذا منحه العقد، أو العرف، أو ظروف العملية هذه الصلاحية. وتتوافق هذه المقتضيات مع ما تم التنصيص عليه في الفصل 900 من قانون الالتزامات والعقود.
يُعتبر الوكيل بالعمولة مسؤولاً أمام الموكل والغير عن تصرفات الشخص الذي أنابه عنه في تنفيذ العمليات محل الوكالة. كما يتحمل الوكيل بالعمولة الوسيط المسؤولية أمام الوكيل بالعمولة الرئيسي عن أي أضرار يتسبب فيها نتيجة تصرفاته. ويحق للموكل رفع دعوى مباشرة ضد الوكيل من الباطن، وفقاً لما ينص عليه الفصل 902 من قانون الالتزامات والعقود
لا يجوز للوكيل بالعمولة الوسيط أن يتمسك بحق الامتياز المنصوص عليه في المادتين 425 و 426 من مدونة التجارة إلا في حدود المبالغ التي قد يستحقها من الموكل الأول.
ب – التزام الوكيل بالا يكون طرفا ثانيا في العقد :
تنص المادة 428 من مدونة التجارة على أن الوكيل بالعمولة لا يجوز له أن يكون طرفًا ثانيًا في العملية إلا إذا حصل على إذن صريح من الموكل.
وهكذا يُعتبر الأصل في الوكالة بالعمولة أن يظل الوكيل محايدًا وألا يتحول إلى طرف في العقد الذي كُلِّف بإبرامه. بمعنى، إذا كان مكلفًا ببيع بضائع، فلا يجوز له شراؤها لنفسه، وإذا كان مكلفًا بالشراء، فلا يحق له بيع بضائع يمتلكها شخصيًا. و تُبرر قاعدة الحظر هذه بكون الوكيل بالعمولة يصبح في موقع يجمع بين إرادتين أو مصلحتين متعارضتين إذا ما كان طرفًا في العملية التي كُلِّف بها. فهو يدير إرادة أو مصلحة الموكل من جهة، ومصلحته الشخصية من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تغليب مصالحه الخاصة على حساب مصلحة الموكل.
و يترتب على مخالفة قاعدة الحظر بطلان عقد الوكالة بطلانًا نسبيًا، مما يمس مصلحة الموكل بسبب التدليس أو الغلط في طبيعة الاتفاق. فقد أبرم الموكل عقد وكالة وليس عقد بيع أو شراء. وبالتالي، لا يمكن اعتبار البائع أو المشتري الذي له مصلحة خاصة وكيلًا بالعمولة.
و يحق للموكل المطالبة بإبطال العقد واسترداد المبالغ المدفوعة للوكيل، مع إمكانية المطالبة بالتعويض. وفي هذه الحالة، يجوز للموكل أن يُجازي التعاقد فيزول البطلان، وبالتالي تصبح العلاقة بينه وبين الوكيل محكومة بالعقد الذي أبرمه الوكيل مع نفسه، وليس بعقد الوكالة، مما يعني أن الوكيل لا يستحق العمولة المتفق عليها.
وقد سمح المشرع كاستثناء للوكيل بالعمولة، وفقًا للمادة 428 من مدونة التجارة، أن يصبح طرفًا ثانيًا في العملية المكلف بها إذا حصل على إذن صريح من الموكل. في هذه الحالة، تنتفي أسباب الحظر المذكورة سابقًا، حيث يُفترض أن الموكل قادر على حماية مصالحه الخاصة.
واشترط المشرع أن يكون الإذن الممنوح من الموكل إلى الوكيل واضحًا وصريحًا، دون اشتراط شكل معين. فقد يرد هذا الإذن في العقد الأصلي، أو في اتفاق لاحق، أو حتى يُمنح بشكل شفوي. وفي مثل هذا الاستثناء، يُلزَم الوكيل بتوخي الحذر الشديد وبذل عناية خاصة أثناء تنفيذ الوكالة، لضمان عدم تقديم مصالحه الشخصية على مصالح موكله.
ج – الالتزام بالإعلام والنصح :
تنص الفقرة الأولى من المادة 429 من مدونة التجارة على ما يلي : ” الوكيل بالعمولة متزم بالكشف لموكله عن أسماء الأغيار الذين تعاقد معهم”.
اختصر المشرع المغربي الالتزام بالإعلام على كشف الوكيل للموكل عن أسماء الأطراف الآخرين الذين تعاقد معهم، إلا أن هذا الالتزام أوسع نطاقاً. فهو لا يقتصر على الكشف عن أسماء هؤلاء الأطراف فحسب، بل يمتد إلى تقديم الحسابات وتوفير كافة المعلومات التي تهم الموكل. كما يشمل الالتزام بالنصح الذي يجب تنفيذه في جميع مراحل العملية: قبل إبرامها وأثناء ذلك وبعد انتهائها.
ويُستنتج من ذلك أن الوكيل بالعمولة ملزم بعقد الصفقة مع الطرف الآخر، ويُعد مخلاً بهذا الالتزام إذا لم يكن هناك طرف آخر حقيقي. ويحق للموكل في هذه الحالة أن يطالبه بإثبات صحة وجود الطرف الثاني، وإلا فإنه يتعرض للمساءلة ويصبح ملزماً بتعويض الموكل عن الأضرار الناتجة.
لا يجوز للوكيل أن ينتظر طلب الموكل للحصول على المعلومات، بل يجب عليه تزويده بها بشكل استباقي حتى وإن لم يطلبها. وبالتالي، يجب على الوكيل بالعمولة تنبيه الموكل إلى أهمية التأمين وحدوده مثلا، خاصة في حالة نقل البضائع، مع توضيح نظام التأمين وسقف التعويضات لضمان اتخاذ الموكل قرارات مدروسة ومستنيرة.
كما يُفترض في الوكيل المكلف بالنقل الدولي أن يكون على دراية بجميع القوانين المطبقة على العملية، حتى ولو كانت قوانين أجنبية، ليتمكن من تقديم النصيحة اللازمة لزبونه. أما الوكيل بالعمولة في الجمارك، باعتباره متخصصاً في التشريعات والإجراءات الجمركية، فيلتزم أيضاً بإعلام زبونه وتقديم النصح له. وينطبق الأمر ذاته على البنكي، حيث يلتزم بإبلاغ زبونه بالمخاطر المرتبطة بالعمليات التي تُسوى شهرياً، ما لم يكن الزبون على علم مسبق بهذه المخاطر.
ولا يقتصر التزام الوكيل بالعمولة بالإعلام على المرحلة السابقة لإبرام العملية المكلف بها، بل يمتد هذا الالتزام ليشمل مرحلة تنفيذ العملية نفسها. وذلك لأن مصلحة الموكل تقتضي متابعة سير العملية بانتظام، مما يمكنه من إعطاء التعليمات اللازمة للوكيل بناءً على معلومات دقيقة. وبالتالي، يتوجب على الوكيل بالعمولة إطلاع الموكل على جميع المعلومات المفيدة المتعلقة بالعملية التي كُلف بتنفيذها، بما في ذلك الصعوبات التي يواجهها، وكل ما يساعد الموكل على التدخل بشكل فعال لحماية مصالحه.
ويستمر التزام الوكيل بالعمولة بالإعلام حتى بعد تنفيذ العملية التي كُلف بها. ويعني ذلك أنه ملزم بتقديم حساب مفصل للموكل بكل صدق وأمانة، تماماً كما هو الحال بالنسبة للوكيل العادي. إذ إن الامتناع عن تقديم الحساب قد يثير الشكوك حول تصرف الوكيل لمصلحته الشخصية. لذلك، يجب على الوكيل أن يقدم للموكل تقريراً شاملاً ومفصلاً عن جميع الأعمال التي قام بها، مدعوماً بالمستندات اللازمة.
و يحق للموكل الذي يشكك في صحة الحساب المقدم من الوكيل أن يلجأ إلى المحكمة التجارية لطلب إلزام الوكيل بتقديم دفاتره الخاصة للاطلاع عليها وفحصها. ويجوز للمحكمة أن تُعين خبيراً لهذا الغرض أو تتولى هي بنفسها فحص الدفاتر. ومع ذلك، فإن للمحكمة سلطة تقديرية في تحديد مدى ملاءمة هذا الإجراء، ويحق لها رفض الطلب إذا لم يقدم الموكل أدلة قوية تُثير الشكوك حول صحة الحساب المقدم من الوكيل.
ولا يجوز للوكيل بالعمولة أن يحقق لنفسه أي فائدة شخصية من الصفقة التي كُلف بها، باستثناء العمولة المتفق عليها والمصروفات والتسبيقات التي ينص عليها الاتفاق. وفي حال خالف هذا الالتزام، فإنه يُعد مرتكباً لجريمة خيانة الأمانة، لما في ذلك من إخلال بثقة الموكل وإضرار بمصالحه.
د – الالتزام بالمحافظة على السر :
تُعتبر الوكالة بالعمولة شكلاً من أشكال النيابة الناقصة، حيث تتميز بعدم الكشف عن هوية الموكل للمتعاملين الآخرين. ويقع على عاتق الوكيل بالعمولة الالتزام بعدم الإفصاح عن اسم الموكل، إذ قد تتطلب المصلحة المهنية للموكل الحفاظ على سريته. وبالتالي، يُعد الوكيل مخطئاً إذا قام بالإفصاح عن هوية الموكل للأطراف الأخرى.
ويجوز للموكل أن يرفع عن الوكيل التزامه بالمحافظة على السرية، سواء من خلال منحه الإذن بالإفصاح عن هويته للغير أو بإلزامه بذلك. ومع ذلك، فإن هذا لا يغير من طبيعة العقد، الذي يبقى وكالة بالعمولة ولا يتحول إلى وكالة مدنية. وبذلك، تظل للغير دعوى مباشرة ضد الوكيل فقط.
وفي غير الحالات التي يُسمح فيها للوكيل بالإعلان عن هوية الموكل، قد يكون اسم الموكل معروفًا بالضرورة في بعض الحالات، كما هو الحال عند حمل البضاعة المباعة علامة الصنع الخاصة به. من جهة أخرى، أوجب القانون على الوكيل أن يُطلع الموكل على أسماء الأطراف الذين تعامل معهم، وفقًا للمادة 429 من مدونة التجارة.
2/ التزامات الموكل :
لم يتناول المشرع التزامات الموكل بنصوص خاصة على غرار ما فعله مع الوكيل بالعمولة. ومع ذلك، يمكن الرجوع إلى القواعد العامة المنظمة للوكالة المأجورة، التي تُلزم الموكل بتوفير الوسائل اللازمة للوكيل لأداء مهامه، بالإضافة إلى تزويده بالمعلومات الضرورية لتنفيذ المهمة. كما يلتزم الموكل بدفع العمولة المتفق عليها، وتغطية المصاريف التي تكبدها الوكيل، وتعويضه عن أي أضرار قد تلحق به أثناء أداء مهامه.
أ – التزام الموكل بالإعلام :
يرى بعض الفقهاء بشكل مبرر أن حسن النية في العقود يقتضي أن يقوم الموكل بتمكين الوكيل من كافة العناصر اللازمة لتنفيذ مهمته. على سبيل المثال، يجب على الموكل إبلاغ وتحذير الوكيل بالعمولة عند نقل البضائع إذا كانت هناك خصائص خاصة للبضائع تستدعي ذلك. وبالتالي لا يتحمل الوكيل بالعمولة أي مسؤولية تعاقدية إذا لم يقم الموكل بإخطاره بوجود خاصية غير مرئية في البضاعة التي يتم نقلها.
يتعين على الموكل تقديم جميع البيانات المتعلقة بالبضاعة أو الخدمة أو العقد موضوع اتفاقية الوكالة، كما تم الإشارة إلى ذلك أثناء تناول عقد الوكالة التجارية (شاهد المقال)
ب – الالتزام بأداء العمولة :
تعد العمولة التزامًا جوهريًا يتحمله الموكل، وفقًا لما ورد في الفقرة الأولى من المادة 424 من م.ت التي تنص على: ‘يستحق الوكيل بالعمولة الأجرة بمجرد إبرام العقد مع الغير’. كما يُستند إلى الفصل 888 من ق.ل.ع الذي يشير إلى أن الوكالة تكون بلا أجر إلا أنه يستدرك بالتنصيص على أن مجانية الوكالة لا تُفترض بين التجار بشأن الأعمال التجارية، وكذلك إذا كُلف الوكيل بأعمال تدخل ضمن حرفته أو مهنته، أو إذا جرى العرف بمنح أجر عن الأعمال موضوع الوكالة. وتسمى أجرة الوكيل بالعمولة ‘العمولة’، وفقًا لما جرى به العرف
تُحدد العمولة عادة كنسبة معينة من مبلغ الصفقة المُبرمة، أو كمبلغ ثابت عن كل صفقة. وقد تكون العمولة مشروطة ببيع البضاعة بثمن يفوق قيمة معينة، أو تُحدد بناءً على ما زاد عن مبلغ معين من سعر البيع. ويجري تحديد نسبة أو مبلغ العمولة بالاتفاق بين الطرفين، وفي حال غياب اتفاق يُرجع إلى عرف المهنة في مكان تنفيذ العقد أو أقرب مكان له. أما إذا لم يكن هناك عرف مهني، فتتولى المحكمة تحديدها بناءً على عناصر العملية وظروف الحال.
ولا يملك القاضي صلاحية تخفيض مقدار العمولة المتفق عليها بين الوكيل بالعمولة والموكل، وذلك لأن الاتفاق على الأجر تم بين طرفين يتمتعان بالخبرة الكافية في المجال التجاري، مما ينفي احتمال وقوع استغلال أو غبن من أحدهما تجاه الآخر
ووفقًا للمادة 424 من م.ت، يجب التمييز بين حالتين فيما يتعلق باستحقاق الوكيل بالعمولة للأجر:
حالة إبرام العقد: يستحق الوكيل بالعمولة العمولة كاملة بمجرد إبرام العقد، حتى إذا لم يتم تنفيذه نهائيًا، حيث إن التزامه تجاه الموكل هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة. وإذا نفذ الوكيل جزءًا فقط من مهمته، دون أن يكون هناك خطأ من جانبه، فإنه يستحق جزءًا من العمولة يتم تحديده وفقًا للعرف أو تقدير القاضي في حالة غياب العرف.
حالة تعذر إبرام الصفقة: لا يستحق الوكيل بالعمولة أي أجر في حال عدم إبرام الصفقة، وذلك بناءً على مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 915 من ق.ل.ع. ومع ذلك، إذا نفذ الوكيل تعليمات الموكل دون خطأ وبذل كل ما يلزم لإبرام الصفقة، ولكنها لم تتم بسبب خطأ يعزى إلى الموكل أو بسبب قوة قاهرة، فإن الوكيل يستحق تعويضات.
وفي حالة تعذر إبرام الصفقة بسبب يعود إلى المتعاقد الآخر أو الغير، لا يكون الوكيل بالعمولة مستحقًا للأجر من الموكل، لأن استحقاق الأجر يرتبط بتنفيذ التصرف لصالح الموكل. وفي هذه الحالة، لا يبقى أمام الوكيل إلا حق الرجوع على المتعاقد الآخر أو الغير للمطالبة بتعويض عن الأضرار التي لحقت به نتيجة عدم إبرام الصفقة.
لا يجوز للوكيل بالعمولة الاستفادة من الوكالة بأي شكل آخر أو المطالبة بأي مكافأة إضافية مقابل تنفيذ مهمته بخلاف العمولة المتفق عليها. ولا يُسمح له، على وجه الخصوص، بالاحتفاظ بالفارق إذا أبرم الصفقة بشروط أفضل، إذ إن الوكيل ليس إلا وسيطًا، وتؤول أي أرباح تُحقق نتيجة للتصرف إلى الموكل الذي يتم التصرف لحسابه. ويعد احتفاظ الوكيل بالفارق جريمة خيانة أمانة. ومع ذلك، يمكن للأطراف، طالما أن عقد الوكالة قائم، الاتفاق على بند يسمح للوكيل بالاحتفاظ بكل أو بجزء من الفارق.
أما المصاريف العامة التي يتحملها الوكيل بالعمولة لإتمام العمل المكلف به، فلا تدخل ضمن مبلغ العمولة، بل تُعتبر التزامًا مستقلًا يوجب على الموكل رد هذه المصاريف.
ج – الالتزام برد المصاريف :
يلتزم الموكل، بالإضافة إلى دفع العمولة، برد جميع المصاريف التي أنفقها الوكيل أثناء تنفيذ الوكالة. تشمل هذه المصاريف، على سبيل المثال، تكاليف نقل البضاعة موضوع التعاقد، الرسوم الجمركية، مصاريف الإيداع والتخزين، وأقساط التأمين على البضاعة إذا طلبها الموكل أو اقتضاها العرف التجاري أو طبيعة البضاعة، بالإضافة إلى النفقات الأخرى الضرورية تبعًا لطبيعة البضاعة.
كما يتعين على الموكل رد المبالغ التي دفعها الوكيل مسبقًا كثمن للبضاعة المطلوب شراؤها، وأيضًا المبالغ التي استلمها الموكل من ثمن البضاعة قبل بيعها. ويشمل ذلك الالتزام أداء الفوائد القانونية على هذه النفقات اعتبارًا من يوم صرفها، دون أن يكون لفشل الصفقة أو عدم تحقيق النتائج المرجوة أي تأثير، ما دام الوكيل لم يرتكب خطأ.
يجب على الموكل رد هذه المصاريف والتسبيقات سواء ورد ذكرها صراحة في العقد أو كانت ضرورية لتنفيذ الوكالة، أو تفرضها حاجة رئيسية وظروف الحال، على أن تكون هذه المصاريف مفيدة وذات مصلحة للموكل ومعقولة وغير مبالغ فيها. وتمتلك المحكمة سلطة تقديرية لتحديد مدى التعسف أو الضرورة المرتبطة بهذه المصاريف.
ولا يُعد الالتزام برد المصاريف والتسبيقات من القواعد الآمرة، مما يتيح للطرفين الاتفاق على تضمين المصاريف والتسبيقات ضمن العمولة بشكل جزافي.
د – الالتزام بتعويض الوكيل :
نظرًا لأن الوكيل بالعمولة لا يُسمح له بتحقيق أي منفعة شخصية من الصفقة الموكلة إليه سوى العمولة، فإنه لا يتحمل أية خسارة تنجم عن ذلك. وبالتالي، يقع على عاتق الموكل تعويض الوكيل عن الأضرار التي قد تلحقه أثناء تنفيذ المهمة الموكولة إليه، طالما لم يكن هناك خطأ صادر عن الوكيل.
ويُشترط أن تكون هذه الأضرار ناتجة عن تنفيذ الوكالة أو مرتبطة بها بشكل مباشر. على سبيل المثال، لا يُعتبر الموكل مسؤولاً عن خسائر الوكيل الناتجة عن انشغاله بشؤون الوكالة وإهماله لأعماله الخاصة، أو عن الأضرار الناتجة عن أخطاء الوكيل أو أسباب أخرى خارجة عن نطاق الوكالة.
هـ – التزام الوكيل بالعمولة بالضمان :
لا تستوجب طبيعة الوكالة بالعمولة أن يضمن الوكيل التنفيذ الفعلي والسليم للعقود التي يبرمها مع الغير. فالقاعدة أن تنتهي مهمته بمجرد إبرام العقد المكلف به، ولا يتحمل المسؤولية عن عدم التنفيذ إلا إذا ارتكب خطأ شخصيًا، مثل التعاقد مع شخص معروف بعدم قدرته المالية أو مخالفة تعليمات الموكل الصريحة.
وبالتالي، إذا تبين أن الطرف الآخر غير قادر على تنفيذ العقد أو لم يقم بتسليم المبيع، فإن الوكيل غير مسؤول ما لم يثبت ارتكابه خطأ. وفي هذه الحالة، يتحمل الموكل مخاطر الإعسار أو الإفلاس أو التقصير للطرف المتعاقد، باعتبار أن العقد أبرم لحسابه.
وفي وكالة البيع أو شراء البضائع مثلا، قد يرغب الموكل في الاعتماد الكامل على الوكيل بالعمولة لتجنب مخاطر عدم تنفيذ العقود مع الغير. ولهذا الغرض، يمكن الاتفاق بينهما على شرط خاص يُلزم الوكيل بتحمل هذه المخاطر، وهو ما يُعرف بشرط الضمان. عادةً ما يُضاف هذا الشرط مقابل عمولة مرتفعة نسبيًا، ويُطلق على الوكيل في هذه الحالة اسم “الوكيل بالعمولة الضامن
وقد ينشأ التزام الوكيل بالعمولة بالضمان بموجب قاعدة عرفية محلية أو متعلقة بنشاط تجاري معين، أو بمقتضى نص قانوني كما هو الحال في الوكالة بالعمولة في البورصة أو النقل. كذلك، يمكن أن يُستنتج هذا الالتزام من ظروف التعاقد، كأن يتسلم الوكيل كشفًا بالحساب يشير إلى التزامه بموجب اتفاق ضمان، ويقوم بقبوله دون أي تحفظ، مما يدل على علمه وقبوله بهذا الاتفاق.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الأجر لا يُعتبر قرينة كافية على وجود شرط الضمان، إلا إذا دعمت ذلك ظروف وشروط التعاقد. وعلى النقيض، إذا تبينت إرادة الطرفين بوضوح، فإن غياب اتفاق على عمولة خاصة لا يعني بالضرورة انتفاء صفة الضمان عن الوكيل. ويمكن إثبات الاتفاق الضمني على الضمان بجميع وسائل الإثبات المقبولة في المجال التجاري، بما في ذلك الشهادات والقرائن.
ويترتب على شرط الضمان التزام الوكيل بالعمولة بضمان تنفيذ الطرف المتعاقد لالتزاماته كاملة وفي الأجل المحدد. ففي حالة البيع، يضمن الوكيل ملاءة الطرف الآخر وأداء الثمن للموكل، وفي حالة الشراء يضمن حسن تسليم البضائع. يدفع هذا الالتزام الوكيل إلى توخي الحذر في اختيار المتعاقدين، مما يقلل من احتمالية التعاقد مع أطراف مشكوك في ملاءتهم المالية.
ويمتد التزام الضمان إلى حد تحميل الوكيل مسؤولية عدم التنفيذ حتى لو كان ذلك نتيجة قوة قاهرة، مما يجعل التزامه التزامًا بنتيجة. ولا يمكن للوكيل التخلص من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت وجود خطأ من جانب الموكل، مثل وجود عيب في البضاعة المكلف ببيعها أدى إلى رفض الطرف الآخر الوفاء بالثمن، أو تأخر الموكل في أداء ثمن البضاعة التي اشتراها الوكيل، مما دفع الطرف الآخر لرفض تسليم البضاعة، أو تمسك الطرف المتعاقد بالمقاصة بدين له على الموكل.
تم الاستفادة من عدة مراجع لإعداد هذا المقال، منها:
– بوعبيد عباسي : العقود التجارية، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2013.
– بوعبيد عباسي: العقود التجارية والتجديدات الطارئة عليها، مجلة المحامون، ع. 6 لسنة 1998.
– عبد الحي حجازي: العقود التجارية، دار النهضة العربية مصر، 1954.
– فوزي محمد سامي: شرح القانون التجاري، ج1.
– مصطفى كمال طه: الوجيز في القانون التجاري ج 2، المكتب المصري الحديث. الإسكندرية، 1981.
– سوزان علي حسن: عقد الوكالة بالعمولة للنقل وفقا لقانون التجارة رقم 18 لسنة 1999، دار الجامعة الجديدة للنشر الاسكندرية ، 2009.
Share this content: