تُعد السمسرة إحدى صور أنظمة الوساطة التجارية وفقا للبند 9 من المادة 6 من مدونة التجارة التي جاء فيها ما يلي : “السمسرة والوكالة بالعمولة وغيرها من أعمال الوساطة “.
يُعتبر وسيطًا، بشكل عام، كل من يقتصر دوره على البحث عن طرف لإتمام التعاقد أو التفاوض معه بهدف إبرام العقد، سواء كان التفاوض أو التعاقد باسم ولحساب الغير أو باسمه ولحساب طرف آخر. لذلك، فإن إدراج المشرع لعقد السمسرة إلى جانب الوكالة بالعمولة يُعَدّ ملائمًا، حيث إن كليهما من أنشطة الوساطة، وتُشبه طبيعة السمسرة في جوانب كثيرة طبيعة الوكالة.
يخضع الأشخاص الذين يمارسون أعمال الوساطة بشكل عام لأحكام مدونة التجارة، ومن أبرز هؤلاء السمسار، الذي تتمثل مهمته الأساسية في التقريب بين أطراف من أجل إبرام عقود معينة مقابل أجر، دون أن يكون تابعًا لأي منهم. ويرتبط السمسار مع موكله بما يُعرف بـ”عقد السمسرة”، ويمارس عمله باستقلالية تامة.
عُرفت السمسرة منذ زمن بعيد وما زالت تلعب دورًا مهمًا في البيئة التجارية. في بداياتها، كانت مهمة السمسار تقتصر على التقريب بين التجار من مختلف الجنسيات وحماية التجار الأجانب. حيث كان السمسار من السكان المحليين يساعد التجار الأجانب في إبرام صفقاتهم عبر وساطته.
مدونة التجارة كانت تُصور السمسار بأنه مجرد وسيط بين طرفين يتفاوضان لإبرام العقد، لكن مع مرور الوقت، توسع نطاق السمسرة بشكل ملحوظ. ففي الوقت الحالي، هناك أنواع متعددة من السماسرة يقدمون خدمات التفاوض والعروض بشروط ملائمة للتجار وموزعي البضائع. وبهذا، يُساهم السماسرة في تعزيز وتطوير التبادل التجاري على الصعيدين الوطني والدولي.
وقد خصصت مدونة التجارة للسمسرة القسم الثالث من الكتاب الرابع المتعلق بالعقود التجارية، حيث تناولت أحكام السمسرة في المواد من 405 إلى 421.
أولا // تعريف السمسرة وبيان مميزاتها :
1 – تعريف عقد السمسرة :
عرَّف المشرع السمسرة في الفقرة الأولى من المادة 405 من مدونة التجارة بأنها: “عقد يكلف بموجبه السمسار من طرف شخص بالبحث عن شخص آخر لربط علاقة بينهما قصد إبرام العقد.”
كما جاء تعريف السمسرة في القانون المصري، وفقًا للمادة 192 من قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999، على النحو التالي: “السمسرة عقد يتعهد بمقتضاه السمسار الشخص بالبحث عن طرف ثان لإبرام عقد معين والتوسط في إبرامه.”
يتضح من تعريف المشرعين، سواء المغربي أو المصري، أن السمسرة تركز على المهمة الرئيسية الموكلة إلى السمسار، وهي البحث عن طرف ثانٍ للتعاقد مع الشخص الذي وكَّله. وبالتالي، يقوم السمسار بالتقريب بين شخصين يرغبان في إبرام عقد، ويتوسط بينهما عبر التفاوض لإتمام الصفقة. وقد يتم تكليف السمسار من طرف واحد أو من كلا الطرفين، وعلى سبيل المثال، قد يكلف بائع سمسارًا للبحث عن مشتري، أو قد يبحث المؤجر عن مستأجر عبر السمسار.
ويمارس السمسار عمله بشكل مستقل عن الأطراف التي يتوسط بينها، ولا يخضع لإشرافهم المباشر. كما أن عمله يتسم بالجانب المادي، وليس القانوني، حيث يقتصر دوره على تسهيل التفاوض والربط بين الأطراف المعنية دون تدخل في صياغة العقد نفسه.
ويعاب على هذا التعريف لعقد السمسرة أنه لم يأخذ في الاعتبار عنصرًا أساسيًا في عقد السمسرة، وهو الأجر. فالسمسار يقوم بدوره كوسيط تجاري مقابل أجر، ولا يُعتبر عقد السمسرة مكتملًا دون تحديد الأجر. ويستفاد ذلك من نص المادة 419 من مدونة التجارة التي تنص على: “إذا لم يحدد مقدار أجر السمسار باتفاق أو بعرف فعلى المحكمة تحديده…”.
وبذلك، يمكن القول إن السمسرة هي عقد يلتزم بمقتضاه شخص يسمى السمسار، بتكليف من شخص آخر يُسمى مفوض السمسار، بالتقريب بين إرادة شخصين بهدف الوصول إلى اتفاق أو تعاقد بينهما، أو بالوساطة في التفاوض من أجل إبرام عقد معين. ويقوم السمسار بذلك مقابل أجر يتقاضاه عن جهوده في إتمام الصفقة.
يتبين من هذا التعريف أن عقد السمسرة يتميز بكونه يقتصر على عمل مادي وليس قانوني، حيث يقوم السمسار بالتقريب بين طرفين بغرض إتمام صفقة معينة مقابل أجر، ويعمل ذلك باستقلال عن الطرفين المتعاقدين.
ويقتصر هذا العمل في الأصل في التقريب بين الشخصين لإتمام الصفقة، ولكنه يمتد ليشمل بعض الأعمال الأخرى التي تساعد في انعقاد العقد، مثل العثور على شخص يقبل التعاقد أو المشاركة في المفاوضات بين الطرفين. لكن عمل السمسار لا يتجاوز هذه المرحلة، فهو لا يمتد إلى إبرام العقد نفسه ولا يدخل في تنفيذه.
2 – مميزات عقد السمسرة :
يتبين من تعريف عقد السمسرة ومهمة السمسار أن هذا العقد يتميز بالمميزات التالية:
أ – السمسرة عمل مادي :
تتميز السمسرة بكونها تنصب على عمل مادي وليس قانوني، حيث يتمثل هذا العمل في البحث عن طرف ثانٍ ليتعاقد مع مفوض السمسار، مثل البحث عن مستأجر ليتعاقد مع مؤجر، أو البحث عن مشتري ليتعاقد مع بائع، أو العكس. كما قد يتكفل السمسار بالوساطة بين الطرفين عن طريق التفاوض من أجل إبرام العقد، فيقوم بكل ما من شأنه تقريب الطرفين وتسهيل التوصل إلى اتفاق.
بالفعل، قد يواجه التاجر صعوبة في معرفة ظروف السوق ومواطن السلع، وقد لا يكون لديه فكرة عن مكان العثور على الطرف الآخر الذي يمكنه التعاقد معه. كما قد يفتقر إلى الخبرة أو التخصص اللازمين، أو ربما لا يستطيع الترويج لمقاولته بشكل فعال. في هذه الحالات، يعرض التاجر ما لديه من عروض على سمسار معين، ويكلفه بالبحث عن متعاقد آخر يحتاج إلى هذه العروض ليتعاقد معه وفق ظروف وشروط أفضل.
وبفضل خبرة السمسار واتصالاته، يمكنه العثور على المتعاقد المناسب. ولكن من المهم أن نلاحظ أن هذا المتعاقد يتعاقد مباشرة مع الطرف الذي كلف السمسار وليس مع السمسار نفسه.
ولا يُعتبر من طبيعة مهمة السمسار أن يقوم بتحضير العقد ليصبح جاهزًا للتوقيع عليه من قبل المتعاقدين، أو أن يدرج اسمه في العقد، أو يضمنه ما يفيد أن العقد تم بناءً على وساطته وجهوده. فدور السمسار يقتصر على الوساطة والتقريب بين الأطراف وتسهيل المفاوضات، دون التدخل في تفاصيل صياغة العقد أو تنفيذه.
وإدراج اسمه في العقد قد يكون له أغراض أخرى، مثل حفظ حقه في العمولة أو حتى الشهرة، لكن لا يعتبر ذلك جزءًا من المهام الأساسية للسمسار، والتي تقتصر على تسهيل إتمام الصفقة بين الأطراف المتعاقدة.
إذا تم التعاقد باسم السمسار الشخصي أو إذا لم يُذكر اسم المتعاقد الآخر في العقد، فإن السمسار يصبح مسؤولًا عن تنفيذ العقد ويُعتبر في هذه الحالة وكيلًا بالعمولة.
ب – السمسرة وساطة قائمة على استقلال السمسار :
طالما أن عمل السمسار يقتصر على مجرد الوساطة بين طرفين يريدان التعاقد، فإنه يعمل باسمه الشخصي وباستقلال كامل عن أطراف التعاقد الذين يسعى إلى إبرامه. لا يُعتبر السمسار نائبًا أو وكيلًا بالعمولة، ولا يتبع أي طرف من الأطراف في إبرام العقد، وإذا تم الاتصال بين الطرفين نتيجة سعي السمسار، فيمكن للطرفين مناقشة شروط العقد وبنوده بشكل مباشر بينهما، وبالتالي لا يُعتبر السمسار طرفًا فيه.
ونتيجة لاستقلال السمسار عن المتعاقدين، فإن عمله ينتهي بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول بين الطرفين، ولا علاقة له بتنفيذ العقد إلا في حالات استثنائية. وبالتالي، فإن الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد تقتصر على طرفيه ولا تكون للسمسار أي علاقة بها أو مسؤولية تجاهها.
ولا يغير من طبيعة عقد السمسرة أو استقلال السمسار وصفته الإشارة إلى اسمه في العقد أو مشاركته في تحرير العقد، كما تم توضيحه سابقًا.
وتمنح الحرية المعطاة للسمسار صلاحية الجمع بين عدة مهن، بحيث يمكن لبعض السماسرة ممارسة مهن أخرى مثل النيابة أو الوكالة بالعمولة. وهذا قد يؤدي إلى التداخل في التسمية بين هذه الأنواع من العقود.
ج – السمسرة من العقود الرضائية :
يُعتبر عقد السمسرة، مثل معظم العقود التجارية، من العقود الرضائية التي تتم بمجرد تبادل الإيجاب والقبول وتطابقهما. ولذلك، لا يُشترط التشريع أن يتم الإبرام بشكل معين أو رسمي. يمكن أن يتم عقد السمسرة شفاهة أو كتابة حسب اتفاق الأطراف، ويجوز إثباته باستخدام جميع وسائل الإثبات المتاحة، سواء كانت مستندات مكتوبة أو شهادات أو أي دليل آخر يعزز وجود العقد وفعاليته.
د – السمسرة من عقود المعاوضة :
يُعتبر عقد السمسرة من عقود المعاوضة، حيث يسعى كل من طرفيه للحصول على مقابل لما يؤديه. فالمفوض (الطرف الذي يطلب السمسرة) يقدم مقابلًا للسمسار مقابل إيجاد متعاقد ثان وإخباره به والتقريب بين وجهات نظر الأطراف. من جهة أخرى، يقوم السمسار بأداء هذا العمل مقابل أجر يتمثل في مبلغ محدد أو نسبة معينة من قيمة العملية أو العقد الذي تم التوصل إليه بفضل وساطته. وبالتالي، كلا الطرفين يسعى لتحقيق منفعة من خلال هذا التبادل المعاوضي.
لا يغير من صفة المعاوضة في عقد السمسرة أن السمسار يتلقى أجره فقط إذا نجح في مهمته وتم إبرام العقد الذي توسط فيه. فالعقد يعتبر من عقود المعاوضة منذ نشأته، حيث يُعد الأجر عنصرًا من عناصره التكوينية. ومع ذلك، لا يُلزم مفوض السمسار بدفع الأجر إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف وتم إبرام العقد الذي سعى السمسار لإتمامه. في هذا السياق، الأجر يرتبط بنجاح السمسار في إنجاز مهمته بشكل فعّال.
هـ – السمسرة من العقود التجارية :
تعتبر السمسرة من العقود التجارية بموجب نص المادة 6 من مدونة التجارة، وذلك لأن محل العقد هو السمسرة نفسها، وهي تعد من الأعمال التجارية بحكم ماهيتها. ومع ذلك، اشترط المشرع أن تتم ممارستها على وجه الاعتياد أو الاحتراف لتعتبر تجارية. لكن، قد يعتبر عقد السمسرة تجاريًا بالنسبة لأحد الطرفين ومدنيًا بالنسبة للطرف الآخر، حسب الظروف وطبيعة النشاط الذي يقوم به كل طرف.
ثانيا // تمييز عقد السمسرة عن الوكالة بالعمولة والوكالة التجارية :
1 – تمييز السمسار عن الوكيل التجاري :
الوكيل التجاري يتعاقد باسم وحساب موكله، مما يجعله نائبًا عنه، وبالتالي تنصرف جميع الحقوق والالتزامات الناتجة عن العقد إلى الموكل. في المقابل، السمسار لا يتعاقد باسمه الشخصي لحساب شخص آخر، ولا يتعاقد باسم ولحساب مفوضه، مما يعني أنه ليس نائبًا ولا أصيلًا في التعاقد، بل يقتصر دوره على البحث عن الطرف المطلوب الذي سيتعاقد مع من وسطه في البحث.
وتتميز الوكالة التجارية بالاستمرارية والانتظام، وهي تبرم لتحقيق مصلحة مشتركة تتجلى في جذب الزبائن. أما السمسرة، فلا تتسم بالاستمرارية والانتظام، إذ يمكن أن تكون لمرة واحدة وتنتهي بمجرد إبرام العقد المطلوب.
2 – تمييز السمسار عن الوكيل بالعمولة :
الوكيل بالعمولة يتعاقد باسمه الخاص لحساب موكله الذي يبقى مجهولًا بالنسبة للمتعاقد الآخر، وتستند الوكالة بالعمولة إلى فكرة النيابة في التعاقد. في المقابل، السمسار لا يتعاقد شخصيًا، سواء باسمه أو باسم الغير، ويقتصر دوره على الوساطة بين طرفين، مثل البائع والمشتري، حيث يعمل على تقريب وجهات نظرهما لإتمام الصفقة. كما يسعى إلى التوفيق بين مصالحهما، ويرشدهما إلى إبرام العقد، دون أن يكون نائبا عن أي منهما أو أن يكون له أي دور في مضمون العقد المبرم.
إضافة إلى ذلك، تتميز السمسرة عن الوكالة بالعمولة من حيث طبيعة العمل الذي يقوم به السمسار، إذ يقتصر دوره على القيام بعمل مادي يتمثل في الوساطة بين الأطراف لتقريب وجهات النظر. أما الوكيل بالعمولة، فيقوم بعمل أو تصرف قانوني يتمثل في إبرام العقود باسمه الخاص لحساب موكله.
كما أن الوكيل بالعمولة يكتسب الحقوق الناتجة عن العقد ويكون ملزمًا شخصيًا تجاه الأطراف الذين تعاقد معهم. ويقع على عاتقه نقل جميع الحقوق الناتجة عن العقد إلى موكله، وما يترتب على العقد من التزامات. أما السمسار، فلا يمثل أيًا من المتعاقدين، ولا يوقع على العقد بصفته طرفًا فيه.
وبالتالي لا يُسأل السمسار عن تنفيذ العقد، كما لا يكون له أي شأن بالحقوق والالتزامات المترتبة عليه، إذ تنصرف هذه الأخيرة إلى طرفي العقد مباشرة دون أن تمتد إلى السمسار. وتنتهي مهمة السمسار بمجرد تحقيق التقارب بين الطرفين وتلاقي الإيجاب والقبول وتطابقهما لإبرام العقد.
ثالثا // إبرام عقد السمسرة وإثباته :
1- إبرام عقد السمسرة :
السمسرة عقد يتطلب لصحة قيامه توافر الأركان الموضوعية العامة للعقد، وهي: الأهلية، الرضا، المحل، والسبب، وفقًا لما تنص عليه المواد 62 و723 و725 من قانون الالتزامات والعقود. كما أن المادة 405 من مدونة التجارة تحيل إلى الأحكام المتعلقة بإجارة الصنعة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، مما يبرز الترابط بين هذه النصوص في تنظيم عقد السمسرة.
تنص المادة 723 من قانون الالتزامات والعقود على أن عقد إجارة الصنعة يتم بتراضي الطرفين، وينطبق الأمر نفسه على عقد السمسرة، مادام المشرع التجاري لم ينص على مقتضيات خاصة. كما يشترط الفصل 725 من نفس القانون أن يكون المتعاقدان متمتعين بأهلية الالتزام، وفي حالة كان أحدهما محجورًا عليه أو قاصرًا، فيجب أن تتم مساعدته من قبل من له الولاية عليه.
ويشترط في الموضوع الذي يتوسط فيه السمسار أن لا يخالف القانون أو الأخلاق الحميدة أو النظام العام، وبالتالي، لا يجوز للسمسار أن يتوسط في إبرام عقود غير مشروعة، كعقود ترويج المخدرات، الدعارة، شراء مواد مسروقة، أو أي أفعال أخرى مخالفة للقانون.
وقد نصت المادة 417 من مدونة التجارة على أنه: ” إذا توسط السمسار في أعمال غير مشروعة فلا أجرة له” ، كما يؤكد الفصل 729 من قانون الالتزامات والعقود على أن ” الاتفاقات التي يكون موضوعها مخالفًا للقانون أو النظام العام أو للأخلاق الحميدة تقع باطلة”.
ويجب أن يكون سبب عقد السمسرة مشروعًا، حيث يعد السبب غير مشروع إذا كان مخالفًا للأخلاق الحميدة، أو النظام العام، أو القانون. فإذا ثبت أن سبب العقد ينطوي على مخالفة لهذه المبادئ، فإن العقد يصبح باطلًا ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.
2 – إثبات عقد السمسرة :
لم يتطلب المشرع أية شكلية معينة لإبرام عقد السمسرة، كما لا يشترط الكتابة لإثباته. وبالتالي، يمكن إثبات عقد السمسرة باستخدام جميع وسائل الإثبات المتاحة، بما في ذلك شهادة الشهود. ويتماشى مبدأ حرية الإثبات مع إبرام العقد، بحيث يمكن أن يكون العقد صريحًا أو ضمنيًا، ويتم استنتاجه من الظروف والملابسات المحيطة بالطرفين.
رابعا // التزامات طرفي عقد السمسرة :
إضافة إلى التزام السمسار بما يلتزم به التجار بشكل عام مثل الالتزام بالقواعد المحاسبية والتسجيل في السجل التجاري، فإن عقد السمسرة يفرض التزامات على طرفيه. فالسمسار ملتزم بتنفيذ مهمته المتمثلة في البحث عن متعاقد آخر، والمحافظة على الوثائق المتعلقة بالمعاملات التي يتوسط في إبرامها، والتأكد من صحة التوقيعات على الوثائق، وحفظ العينات، والالتزام بالصدق في الإعلام. كما يلتزم المفوض للسمسار بإبرام العقد ودفع الأجر المستحق للسمسار.
1 – التزامات السمسار :
التزامات السمسار تنبع بشكل كبير من دوره الأساسي في التقريب بين وجهات نظر الطرفين وتمكينهما من التوصل إلى اتفاق للتعاقد. وإذا أخفق في تنفيذ هذه المهمة أو قام بها بطريقة تعيق الطرفين عن إبرام العقد، فإنه يتحمل المسؤولية المترتبة على ذلك.
أ – الالتزام بالبحث عن متعاقد ثان :
المهمة الأساسية التي تقع على عاتق السمسار تتمثل في البحث عن أشخاص يرغبون في التعاقد، والتقريب بين وجهات نظر الطرفين من خلال التفاوض. ولتحقيق هذه الغاية، يقوم السمسار بجميع الأعمال ويتخذ كافة التدابير والخطوات الضرورية لإيجاد طرف متعاقد آخر وتسهيل عملية التعاقد. وقد أشارت المادة 405 من مدونة التجارة إلى هذه المهمة الرئيسية عند تعريفها لعقد السمسرة.
فالسمسار يقوم بالبحث عن بائع إذا كلفه المشتري، وعن مشتري إذا كلفه البائع. ويجب أن يكون القبول متطابقًا مع الإيجاب المقدم من الطرف الآخر من خلال السمسار. ولتحقيق النجاح في مهمته، يتعين على السمسار الإلمام بكافة المعلومات المتعلقة بالصفقة، مثل الثمن، والكمية، وجودة البضائع، وأجل التسليم. كما يتوجب عليه أن يكون أمينًا في نقل هذه المعلومات للطرف الآخر، وأن يكون لديه معرفة بالشخص الذي يمكن أن يكون مهتمًا بالشراء أو البيع. ويجب عليه نقل المعلومات التي يتلقاها من أحد الطرفين إلى الآخر، والتحقق من هوية العملاء وشخصياتهم، مع ضمان جدية وإمكانيات الطرف الآخر اللازمة لتنفيذ الصفقة.
والسمسار لا يتحمل مسؤولية ضمان ملاءة زبائنه أو تنفيذ العقود التي يتوسط في إبرامها، ولا يتحمل مسؤولية نوعية أو قيمة الأشياء التي يتم التعاقد بشأنها، إلا إذا ثبت وقوع تدليس أو خطأ من جانبه.
ونعتقد أنه لا يُعتبر من الطرق الاحتيالية أو الغش ما دأب عليه السمسار من تصريحات تهدف إلى الترويج للبضاعة والمبالغة في الأرباح المحتملة منها أو المنافع التي قد تحققها للطرف الآخر. إذ يُتوقع من كل طرف أن يتحرى بنفسه عن حقيقة الصفقة وأهميتها بالنسبة له ومدى صحة المعلومات التي يقدمها السمسار. وتتمتع محكمة الموضوع بسلطة تقديرية لتقييم تصريحات السمسار، ومدى تأثيرها على إرادة المتعاقدين في إبرام العقد. كما يلتزم السمسار ببذل الجهد والعناية التي يتطلبها عمل السمسار العادي.
ووفقًا للتشريع، تقتصر أنشطة السمسار على ربط العلاقة بين المتعاقدين بهدف إبرام العقد، دون أن يُلزم القانون السمسار بالتدخل الشخصي في تنفيذ العملية. فالسمسار ليس نائبًا عن الأطراف، وإنما يقتصر دوره على التوسط بينهما وتسهيل التفاوض للوصول إلى اتفاق.
بالإضافة إلى ذلك، فإن السمسار لا يضمن تنفيذ العملية التي توسط فيها. ومع ذلك، لا يمنع التشريع من أن يلعب السمسار دورًا أوسع في إبرام وتنفيذ العمليات، إذا تم الاتفاق على ذلك مع الطرف الذي كلفه. فيمكن أن يتفق الطرفان على أن يقوم السمسار بالتعاقد نيابة عن من وسطه، مقابل أجر إضافي، بحيث يتعاقد باسمه الشخصي لحساب الغير، مما يجعله وكيلاً بالعمولة أو مودعًا لديه البضائع. وفي هذه الحالة، يندمج عقد الوكالة مع عقد السمسرة. كما يمكن أن يتفق الطرفان على أن يضمن السمسار تنفيذ الصفقة موضوع السمسرة، فيتحمل المسؤولية عن عدم تنفيذها.
هذا التوسع الاتفاقي في التزامات السمسار قد يؤدي إلى فقدانه لميزة الاستقلال عن المتعاقدين، وهي من السمات الأساسية التي تميز دوره التقليدي. فعندما يتولى السمسار مهام إضافية مثل التعاقد باسم أحد الأطراف أو ضمان تنفيذ الصفقة، فإنه يتحول إلى طرف أكثر ارتباطًا بالعملية، مما قد يؤثر على حياده واستقلاليته التي يفترض أن تكون جزءًا أساسيًا من عمله كسمسار.
ب – الالتزام بالصدق في الإعلام :
يتوجب على السمسار إعلام المتعاقدين بجميع الظروف المحيطة بالخدمة التي يقدمها. كما يجب عليه التحلي بالصدق وحسن النية أثناء تنفيذ التزامه بالإعلام، وذلك وفقًا لما تنص عليه المادة 406 من مدونة التجارة التي تنص على ما يلي : ” إن السمسار، ولو لم يكن مكلفا إلا من طرف واحد، ملزم نحو الطرفين بأن يقدم الخدمات بصدق ودقة وحسن نية، وأن يخبرهما بجميع الظروف المتعلقة بالخدمة، وهو مسؤول تجاه كل منهما بما ينشأ عن تدليسه أو خطأه”.
بناءً على ذلك، يُلزم السمسار بإعلام كلا الطرفين بكل ما يتعلق بالعملية التي يتوسط في إبرامها. يجب عليه تقديم معلومات دقيقة حول آجال وكيفية إبرام الصفقة، ونوع المبيع وكميته، ومكان التعاقد. كما يتعين عليه إبلاغ الطرفين بأي نقص في أهلية من سيتعاقد معه الزبون، أو احتمال إعساره، وغيرها من الشروط التي قد تؤثر على صحة التعاقد.
بعد نجاح السمسار في إيجاد المتعاقد الثاني، يتعين عليه إبلاغ من كلفه بذلك فور تلقيه موافقة الشخص الراغب في التعاقد. في حالة عدم استقرار الأسعار، يجب على السمسار التأكد من أن مفوضه لا يزال متمسكًا بعرض الشراء حتى يتم الاتفاق النهائي. كما ينبغي عليه إشعار الطرفين بأي مصلحة شخصية قد تكون له في العملية التي يتوسط فيها، وإلا فإنه قد يتعرض للتعويض عن الأضرار التي تلحق بهما. يتعلق الأمر هنا بالحيلولة دون تفضيل أحد الطرفين على الآخر.
وهكذا يتعين على السمسار في تنفيذ التزامه بالإعلام أن يراعي ما يفرضه عليه حسن النية والصدق والأمانة، وذلك لكي يتمكن كل من الطرفين من الاطلاع بدقة وشفافية على كافة ظروف الصفقة والمخاطر المحتملة. فالصدق في الإفصاح عن المعلومات يلزم السمسار بعدم إخفاء أي بيانات أو معلومات تتعلق بالطرفين أو بالصفقة، حتى وإن لم تكن هذه المعلومات في مصلحته. يجب عليه نقل هذه المعلومات كما هي، دون أي تحريف أو تغيير، وألا يتواطأ مع أحد الطرفين على حساب الآخر. وهو مسؤول تجاه كل من الطرفين عن أي أضرار قد تنشأ عن تدليسه أو أخطائه.
ج – الالتزام بحفظ الوثائق والعينات :
وفقا للمادة 407 من القانون التجاري، يلتزم السمسار بحفظ “ما تسلمه من الأوراق والأمتعة والقيم المالية والوثائق المتعلقة بالخدمات التي تمت على يده ما لم يثبت ضياعها أو عيبها بسبب حادث فجائي أو قوة قاهرة”، وتعتبر هذه القاعدة تأكيدا لما ورد في الفصلين 740 و 741 من قانون الالتزامات والعقود، ويعد التزامه هذا التزاما بتحقيق نتيجة، ومن ثم لا يستطيع التخلص من مسؤوليته عن الإخلال بهذا الالتزام إلا بإثبات القوة القاهرة أو الحادث الفجائي.
وبذلك يكون السمسار مسؤولاً عن تعويض الضرر الناتج عن ضياع أو هلاك أو تعيب ما يتسلمه من مستندات أو قيم مالية متعلقة بالعقد الذي يتوسط في إبرامه، ولا يُعفى من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت أن الضياع كان بسبب حادث فجائي أو قوة قاهرة.
كما يلتزم السمسار بحفظ العينات التي يتم التعاقد على أساسها، حيث تنص المادة 408 من القانون التجاري على أنه: “إذا تم البيع بناء على عينة من السلعة، وجب على السمسار حفظ العينة إلى أن تقبل السلعة نهائيًا أو أن تتم الصفقة، ما لم يعفه المتعاقدان من هذا الالتزام”.
ويهدف المشرع من إلزام السمسار بالاحتفاظ بالعينات خلال مدة معينة إلى ضمان إتمام الصفقة وفقًا للتعليمات والأوامر التي كُلّف بها، وأهمها التحقق من مطابقة العينة للبضاعة.
د – الالتزام بالضمان :
يتحمل السمسار التزامًا بالضمان، وهو التزام له حدود ومظاهر تم التنصيص عليها في مدونة التجارة، مع ترك الحرية للسمسار ومفوضه لتوسيع نطاق هذا الالتزام. وبذلك، فإن مجال الضمان قد يكون ضيقًا أو واسعًا.
ومن بين مظاهر الالتزام بالضمان الملقى على عاتق السمسار بموجب القانون يلتزم السمسار بضمان هوية زبائنه، حيث يقع على عاتقه التحقق من هوية المتعاقدين، سواء من وسطه أو الطرف الآخر، بشكل كامل يشمل الاسم والنسب والعنوان والموطن والجنسية والأهلية، وذلك قبل تنفيذ الالتزام بالإعلام تجاههم.
ويلتزم السمسار أيضًا، بموجب المادة 410 من مدونة التجارة، بضمان صحة آخر توقيع يوضع على الوثائق التي تمر بين يديه والمتعلقة بالخدمات التي توسط فيها، شريطة أن يكون هذا التوقيع لأحد المتعاقدين بوساطته. وإذا تبين أن توقيع أحد المتعاقدين غير صحيح، يتحمل السمسار المسؤولية أمام الطرف الآخر عن الأضرار الناتجة. ومع ذلك، يثار التساؤل: هل تمتد هذه المسؤولية إلى ضمان تنفيذ العملية التي توسط فيها، خاصة أن القانون ينص على ضمان صحة آخر توقيع؟
الإجابة قد تكون بالإيجاب، لولا أن المادة 412 من مدونة التجارة تنص بوضوح على أن السمسار لا يضمن تنفيذ العقود المبرمة بواسطته، ولا يضمن قيمة أو نوعية الأشياء موضوع التعاقد، إلا في حالة وجود تدليس أو خطأ يُنسب إليه.
يتماشى هذا الطرح مع طبيعة مهمة السمسار التي تقتصر على البحث عن طرف للتعاقد مع من استعان به، والتقريب بين وجهات نظر الطرفين للتوصل إلى اتفاق دون أن يتدخل في إبرام العقد نفسه. وتنتهي مهمة السمسار بمجرد تحقيق التلاقي بين إرادة الطرفين. وبالتالي، لا يُسأل السمسار عن تنفيذ العقد الذي توسط فيه، أو عن الوفاء بالثمن، أو تسليم المبيع، أو العين المؤجرة إذا كانت الوساطة تتعلق بعقد بيع أو إيجار.
ومع ذلك، يتحمل السمسار المسؤولية في حالة ضمانه للعملية أو إذا كان عدم التنفيذ ناتجًا عن خطأ ارتكبه. كما قد يُلزم شخصيًا بالتنفيذ بشكل تضامني مع زبونه إذا كانت له مصلحة شخصية في العملية، بغض النظر عن أجرته (المادة 413 من مدونة التجارة).
إلى جانب الالتزام القانوني بضمان التنفيذ، يمكن للسمسار أن يلتزم اتفاقيًا بضمان تنفيذ الصفقة من خلال إدراج ما يعرف بـ”شرط الضمان”، وذلك مقابل عمولة إضافية. في هذه الحالة، يصبح السمسار مسؤولًا عن تنفيذ الطرف المتعاقد لالتزاماته، بما في ذلك ضمان ملاءمة المتعاقد الذي قدمه للطرف الآخر، والتزامه بجميع الالتزامات الناتجة عن العقد.
كما يتحمل السمسار المسؤولية عن مطابقة البضاعة للمواصفات المحددة. ولا يُعفى السمسار من هذا الضمان إلا إذا كان سبب عدم التنفيذ عائدًا للطرف الذي استعان بخدماته وكان له دور في دفع المتعاقد الآخر إلى الامتناع عن تنفيذ الالتزامات.
كما يتحمل السمسار المسؤولية عن عدم تنفيذ العقد إذا لم يفصح لأحد المتعاقدين عن اسم الطرف الآخر. وفي حال تنفيذ العقد، وفي حالة تنفيذ العقد يحل محل موكله فيما له من حقوق على الطرف الآخر. وحتى في ما يتعلق بإبرام العقد، يمكن للسمسار أن يتحمل مسؤولية ضمانه بشرط أن يقبل ذلك بشكل صريح، كأن يتعهد بإبرام العقد الذي يتوسط فيه لصالح من استعان به.
ه – الالتزام بعدم شراء المال الذي كُلف ببيعه لنفسه :
تطبيقا للفصل 481 من قانون الالتزامات والعقود، لا يجوز للسماسرة شراء الأموال المنقولة أو العقارية التي يتوسطون في بيعها، سواء بشكل مباشر أو عن طريق وسيط، كما لا يجوز لهم أخذ هذه الأموال على سبيل المعاوضة أو الرهن. ويترتب على مخالفة هذا الالتزام الحكم بالبطلان والتعويضات.
يهدف هذا المنع إلى الحيلولة دون تضحية السمسار بمصلحة من يستعين به لتحقيق مصلحته الشخصية. لذلك، لا يُسمح له بأن يكون طرفا في الصفقة التي يتوسط لإبرامها.
و – مسؤولية السمسار :
يبدو للوهلة الأولى أن مسؤولية السمسار تجاه المتعاقدين تكون محدودة، نظرًا لأن مهمته الأساسية هي التقريب بين الطرفين لتسهيل إبرام العقد، دون أن تكون له علاقة بتنفيذه أو فسخه. كما أن دوره يتم عادة في استقلالية عن الأطراف، مما يُبعده ظاهريًا عن نطاق المسؤولية المباشرة.
ومع ذلك، تبيّن مع مرور الوقت أن بعض السماسرة، خاصة في قطاع البضائع، قد يلجؤون إلى ممارسات غير مشروعة، مثل الإعلان عن مواصفات أو بيانات مضللة للبضائع، أو التعامل مع زبائن يعانون من الإعسار المالي. هذه التصرفات تُشكل إخلالاً بمبادئ الأمانة والمهنية، وقد تؤدي إلى تحميل السمسار المسؤولية في حال تضرر الأطراف المتعاقدة نتيجة لتلك الأفعال.
في مثل هذه الحالات، تنشأ مسؤولية السمسار إما على أساس الإخلال بالتزاماته التعاقدية، إذا كان هناك عقد سمسرة صريح، أو على أساس المسؤولية التقصيرية في حالة التسبب في ضرر للطرفين أو لأحدهما بفعل الغش أو الإهمال.
بالفعل، يُعتبر السمسار وسيطًا محايدًا في عملية التعاقد، ولا يُسأل عن عدم تنفيذ العقد من جانب أحد المتعاقدين إلا إذا ثبت إهماله في اختيار الطرف الآخر أو في التحقق من أهليته لإبرام العقد. بعد إبرام العقد، يظل السمسار خارج نطاق العلاقة التعاقدية بين الأطراف، ولا يتحمل مسؤولية عدم تنفيذ أحد الأطراف لالتزاماته.
على سبيل المثال، إذا كانت البضاعة المبيعة تعاني من عيوب خفية أو لم تكن مطابقة للمواصفات، فإن الرجوع على السمسار غير ممكن ما لم يكن هناك عرف أو اتفاق صريح ينص على التزامه بضمان المطابقة وخلو المبيع من العيوب.
وبالمثل، إذا تبين بعد إبرام العقد أن المشتري معسرا، فإن السمسار لا يُسأل عن ذلك، ما لم يكن على علم مسبق بحالة الإعسار وأهمل إبلاغ الطرف الآخر. مسؤوليته، إذن، تظل مقيدة بعدم الإهمال أو التواطؤ، وفقًا للعرف أو الاتفاق المبرم بين الأطراف.
ومع ذلك، فإن السمسار يكون مسؤولاً تجاه من كلفه عن عدم تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه أو عن تنفيذها بشكل معيب. في هذه الحالات، يتحمل السمسار الالتزام بتعويض من استعان به عن الأضرار التي لحقت به بسبب إخلاله بالتزاماته.
وبالإضافة إلى ذلك، يكون للطرف الآخر في العقد نفس الحق في الرجوع على السمسار بالتعويض إذا كان هذا الأخير مفوضًا من قبله لإيجاد طرف متعاقد آخر. بل وحتى إذا لم يكن السمسار مكلفًا من الطرف الآخر، فإنه يظل مسؤولاً عن أخطائه تجاهه على أساس المسؤولية التقصيرية، إذا تسبب خطؤه في إلحاق ضرر بالطرف الآخر.
وفي سياق التزام السمسار بالإعلام الصادق، يتحمل المسؤولية إذا قام بإخفاء نقصان أهلية الطرف الآخر، أو صدور حكم بالحجر عليه، أو إعساره، أو كون الصفقة محل نزاع، أو أخفى عيوباً أو طبيعة الشيء محل التعاقد، مع علمه بكل ذلك.
وبوجه عام، يكون السمسار مسؤولاً إذا أخفى المعلومات أو الوقائع عن الطرفين مع علمه بأهميتها لهما، كما يُسأل عن أي معلومات يُصرّح بها وهو يعلم أنها غير صحيحة أو كان من السهل عليه التحقق من عدم صحتها ولكنه مع ذلك يقدمها للطرف الآخر على أنها صحيحة، مع إدراكه المسبق لما قد يترتب على هذه المعلومات الخاطئة من أضرار تلحق بموكله.
صحيح إن المشرع، وفقاً للمادة 412 من مدونة التجارة، أعفى السمسار من ضمان ملاءة زبائنه، ومن ضمان تنفيذ العقود التي يبرمها، وكذلك من ضمان قيمة أو نوعية الأشياء المتعاقد عليها. غير أن هذا الإعفاء مشروط بعدم وجود تدليس أو خطأ يمكن نسبته إليه.
وبالتالي، يُلزم السمسار ببذل العناية اللازمة في أداء مهامه، مما يعني إمكانية مساءلته في كل حالة يتخلف فيها عن استخدام الوسائل المتاحة لتنفيذ التزاماته. ينطبق ذلك، على سبيل المثال، عندما يمتنع عن التحقق من صحة المعلومات التي بحوزته قبل تقديمها إلى الأطراف المتعاقدة، رغم قدرته على التحقق منها، مثل عدم التأكد من وجود البضاعة أو سعرها، أو اقتراح شروط تعاقدية تلحق الضرر بزبائنه.
وتزداد مسؤولية السمسار حدة عند تكليفه بمهام إضافية، مثل منحه سلطة التعاقد باسم موسطه بناءً على شرط تعاقدي أو عرف خاص، أو قبوله إيداع البضائع المتعلقة بالبيع أو الشراء لديه، أو ضمانه تنفيذ العقد الذي توسط في إبرامه. في هذه الحالات، تمتد مسؤوليته لتشمل تلك المهام الإضافية، مثل مساءلته بموجب القواعد العامة المنظمة للوديعة أو عن الإخلال بإبرام أو تنفيذ العقد.
وتتوزع الجزاءات التي يمكن أن تترتب على أخطاء السمسار إلى نوعين: جزاء عام يتمثل في التعويض، وجزاء خاص أشد خطورة يتمثل في حرمانه من أجره. ويواجه السمسار هذا الجزاء الخاص إذا تم فسخ العقد بعد إبرامه، سواء كان الفسخ اختيارياً باتفاق الأطراف، أو بناءً على أحد الأسباب القانونية المقررة للفسخ بسبب تدليس أو خطأ جسيم يُنسب إلى السمسار.
2 – التزامات موسط السمسار :
أ – إبرام العقد :
من المعروف أن دور السمسار لا يتضمن إبرام العقد نفسه، بل يقتصر على التقريب بين الأطراف الراغبة في التعاقد. وتنتهي مهمته عادةً عند توفير الظروف الملائمة التي تمكن الطرفين من إتمام العقد. وبالتالي، فإن الطرف الذي يتعامل مع السمسار هو المسؤول عن إبرام العقد مع الطرف الآخر الذي قدمه السمسار. لكن يبقى التساؤل قائماً: هل يكون هذا الطرف ملزماً فعلاً بإبرام العقد مع الشخص الذي قدمه السمسار؟
الإجابة على هذا السؤال تعتمد على طبيعة الإيجاب الصادر من الطرف الذي يتعامل مع السمسار؛ فقد يكون هذا الإيجاب نهائياً وملزماً، أو قد يكون مجرد عرض مبدئي قابل للمراجعة والتفاوض.
عندما يُصدر الطرف الذي يتعامل مع السمسار عرضًا نهائيًا للبيع أو الشراء، يتضمن بشكل دقيق الشروط التي يرغب في إبرام العقد بناءً عليها، فلا يحق له رفض التعاقد مع الشخص الذي قدمه السمسار. وإذا تراجع عن التعاقد بعد هذا العرض، يُعتبر ذلك تراجعًا غير مبرر وتعسفًا في سحب الإيجاب، مما قد يجعله مسؤولًا عن دفع تعويضات للسمسار.
ويُعد العرض نهائيًا عندما يكون إبرام العقد مشروطًا فقط بموافقة الطرف الآخر، حيث يتضمن هذا العرض جميع العناصر الأساسية مثل نوع السلعة، السعر، وشروط التعاقد الأخرى، مما يوضح نية واضحة للالتزام فور قبول الطرف الآخر.
وفي المقابل، إذا كان العرض الصادر عن الطرف الذي يتعامل مع السمسار عرضًا غير نهائي أو احتمالي، فلا يكون ملزمًا له ما دام لم يرد على الرسالة التأكيدية التي يرسلها السمسار. ويستثنى من ذلك الحالات التي ينص فيها العرف على أن سكوت الطرف لفترة معينة يُعتبر قبولًا ضمنيًا. ويُقصد بالإيجاب الاحتمالي ذلك العرض الذي يتيح للمُقدِّم حرية الاختيار بين إتمام التعاقد أو عدمه، لعدم إبداء نية حازمة وواضحة للالتزام بالشروط المعروضة.
ب – أداء الأجر للسمسار :
وفقًا لنص المادة 418 من مدونة التجارة، التي تنص على أن السمسار يستحق أجرته من الطرف الذي كلفه، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بخلاف ذلك، فإن التزام دفع الأجرة يقع مبدئيًا على عاتق الطرف الذي كلّف السمسار بالبحث عن متعاقد لإبرام العقد. وعليه، فإن الطرف الذي طلب خدمات السمسار هو المسؤول عن دفع الأجرة، حتى وإن كان الطرف الآخر قد استفاد أيضًا من هذه الخدمات. فإذا كان البائع هو من استعان بخدمات السمسار، فإن الأجر يُستخلص من ثمن البيع. وبالمثل، إذا كان المشتري هو من كلف السمسار، فإن الأجر يُضاف إلى ثمن الشراء.
مع ذلك، يحق للطرفين، سواء الطرف الذي استعان بالسمسار أو الطرف الآخر، الاتفاق على توزيع مختلف لأتعاب السمسار. كما يمكن للعرف أو العادة المتبعة تحديد كيفية تقسيم هذه التكلفة المالية فيما بينهما.
في هذا السياق، إذا كان الطرفان قد كلّفا السمسار معًا بمهمة التوسط، فإنهما يكونان ملزمين معًا بدفع أجرته. ومع ذلك، لا ينشأ بينهما التزام تضامني، لأن كل طرف يرتبط مع السمسار بشكل مستقل يسعى من خلاله لتحقيق مصلحته الخاصة. وبالتالي، فإن التزامهما يُعتبر التزامًا مشتركًا تتعدد فيه الأطراف، ويُطبّق في هذه الحالة مبدأ تقسيم الالتزام على الأطراف المعنيّة وفقًا للقواعد التي تحكم الالتزامات المشتركة.
وتعد السمسرة من عقود المعاوضة، حيث يتعهد السمسار بالبحث عن متعاقد آخر لزبونه والتوسط بين الأطراف مقابل أجر محدد. والإشكالية المطروحة هي تحديد الوقت الذي يصبح فيه الأجر مستحقًا.
وهكذا لا يحق للسمسار المطالبة بأجر عن خدماته إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق يربطه بزبونه، حيث تعتبر السمسرة تفويضًا أو تكليفًا من شخص ما للسمسار بهدف السعي لإبرام عقد محدد مقابل أجر يستحق عند إنجاز هذا العقد. وعليه، يشترط وجود عقد بين الطرفين يُحدد التزاماتهما، بما في ذلك أجر السمسار.
وبناءً على ذلك، لا يجوز للسمسار المطالبة بالأجر إذا لم يتم تكليفه أو تفويضه بالتوسط لإبرام العقد، حتى وإن تم إبرام العقد نتيجة للمجهودات التي قام بها بمبادرة شخصية منه.
ولا يكفي وجود عقد بين السمسار والطرف الذي كلفه كافيًا لاستحقاق أجر السمسار، بل يتطلب الأمر أن يكون العقد قد أُبرم نتيجة لجهوده المباشرة، بحيث لا يمكن إتمامه دون تدخله. بمعنى آخر، يجب أن تكون هناك علاقة سببية واضحة بين وساطة السمسار وإبرام العقد. ومع ذلك، إذا قام الطرفان بإنهاء عقد السمسرة عن قصد لإلحاق الضرر بالسمسار ثم أبرما العقد فيما بينهما لاحقًا، فإن السمسار يظل مستحقًا لأجره.
وفي حالة وجود علاقات مباشرة بين من كلف السمسار والطرف الآخر، وأسفرت المفاوضات بينهما عن إبرام العقد دون أي تدخل من السمسار، فلا يحق لهذا الأخير المطالبة بالأجر. ومع ذلك، يمكنه طلب تعويض عن الجهود التي بذلها إذا كان لتلك الجهود تأثير في إتمام العقد. ويعود لمحكمة الموضوع سلطة تقدير دور السمسار ومدى تأثيره على إبرام العقد. أما إذا تم العقد بناءً على المعلومات التي وفرها السمسار، فإنه يستحق أجره في هذه الحالة.
وقد وضع المشرع قواعد لتحديد مقدار أجر السمسار في حالة عدم تحديده باتفاق أو عرف، وفقًا لما نصت عليه المادة 419 من مدونة التجارة، والتي تنص على أنه ” إذا لم يحدد مقدار أجرة السمسار باتفاق أو بعرف فعلى المحكمة تحديده إما يحسب سلطتها التقديرية الخاصة أو استنادا إلى رأي الخبراء اعتمادا على ما يجري به العمل في الخدمات المماثلة، مع مراعاة ظروف العملية الخاصة كالوقت الذي تطلبته وطبيعة الخدمة التي قام بها”.
وبذلك يُحدد مبلغ أجر السمسار بحرية من قبل الطرفين، مع إمكانية الرجوع إلى تسعيرة محددة إذا كانت متوفرة. أما في حال عدم وجود اتفاق على الأجر، يتم الرجوع إلى العرف لتحديده. وإذا تعذّر ذلك، تتولى المحكمة تحديد الأجر استنادًا إلى سلطتها التقديرية أو بالاستعانة برأي الخبراء، مع مراعاة الأعراف المعمول بها في الخدمات المماثلة. ويأخذ تحديد الأجر بعين الاعتبار طبيعة العملية موضوع الوساطة، وطبيعة الخدمة التي قدمها السمسار، والصعوبات التي واجهها في تنفيذها، والوقت المستغرق لإنجاز المهمة، بالإضافة إلى قيمة وأهمية العملية والجهود المبذولة من قبله.
أما إذا كان أجر السمسار محددًا في العقد ولم يتناسب مع الجهود التي بذلها السمسار أثناء الوساطة، يجوز للمحكمة تعديل هذا الأجر وتخفيضه، بشرط ألا يكون الأجر قد تم تحديده أو دفعه بعد إبرام العقد. وذلك لأن تحديد الأجر أو دفعه بعد إبرام العقد يُعتبر دليلاً على رضا الموكل بالأجر واقتناعه به بناءً على معرفته بجهود السمسار في إنجاز مهمته. وبالتالي، تنتفي الحاجة إلى إخضاع الأجر المتفق عليه لتقدير المحكمة أو تعديله.
وتُضاف إلى أجر السمسار المصروفات التي تكبدها أثناء تنفيذ المهمة المكلف بها، إذا تم الاتفاق على أن يتحملها الموسط. وتشمل هذه المصروفات، على سبيل المثال، تكاليف السفر، الإعلان في الصحف، التنقل، النقل، الاتصالات الهاتفية، وغيرها. ورغم أن هذه المصروفات لا تُعد جزءًا من الأجر بالمعنى الضيق، إلا أنها تُعتبر مكملًا ضروريًا له، يعكس النفقات التي تحملها السمسار لتنفيذ عمله.
فإذا اتفق الطرفان على أحقية السمسار في استرداد المصروفات التي أنفقها أثناء أداء مهمته، يحق له مطالبة الموكل بجميع هذه المصروفات، حتى وإن لم يُبرم العقد في النهاية. وهذا ما أكدت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 415 من مدونة التجارة.
ج – مسؤولية موسط السمسار :
تتميز مسؤولية موسط السمسار بخصائص استثنائية، ولا توجد قواعد خاصة بها ضمن مدونة التجارة. لذلك، فهي تخضع للمبادئ العامة. وتثار مسؤولية موسط السمسار عند إخلاله بالتزاماته، والتي تشمل إبرام العقد، أداء الأجر، ورد مصروفات السمسار.
وهكذا في حالة عدم إبرام العقد، يحق للسمسار المطالبة بتعويض عن الجهود التي بذلها والنفقات التي تكبدها في سبيل إتمام التعاقد، شريطة أن يكون سبب عدم إبرام العقد ناتجًا عن خطأ الموسط أو تراجعه عن التعاقد بشكل إرادي، وليس نتيجة تقصير من السمسار في أداء مهامه. فالسمسار في هذه الحالة يكون قد أوفى بالتزاماته المتمثلة في إيجاد طرف آخر يوافق على التعاقد وفق الشروط التي حددها له من وسطه، مما يجعل هذا الأخير هو الطرف المخالف لالتزاماته دون مبرر مشروع.
ونتيجة لذلك، يتحمل الموسط مسؤولية تعويض السمسار عن الضرر الناتج، بما في ذلك النفقات التي أنفقها، الجهود التي بذلها، والأرباح التي فاتته، وفقًا للقواعد العامة. فالسمسار قدم الخدمات المطلوبة منه بموجب عقد السمسرة، لكنها لم تؤتِ ثمارها بسبب خطأ الموسط، مما ترتب عليه ضياع جهوده دون الحصول على الأجر المستحق.
وتتحقق مسؤولية الموسط أيضًا في علاقته بالغير، في الحالات التي يقدم فيها الموسط معلومات خاطئة بقصد منع إبرام العقد. فإذا تعرض الغير لضرر نتيجة سحب الموسط لإيجابه دون مبرر مشروع، يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض على أساس قواعد المسؤولية التقصيرية.
وإذا امتنع الموسط عن دفع أجر السمسار المستحق أو لم يقم برد المصروفات التي تكبدها السمسار وفقًا للاتفاق بينهما، يحق للسمسار اللجوء إلى القضاء لرفع دعوى تهدف إلى المطالبة بأجره المستحق والتعويض عن الأضرار التي لحقت به نتيجة عدم الأداء، شريطة ألا يكون الامتناع ناتجًا عن تقصير من جانب السمسار نفسه.
ويمكن للموسط أن يدفع عن نفسه المسؤولية في حالتين أساسيتين: الأولى إذا تمكن من إثبات وجود خطأ ارتكبه السمسار، مما أدى إلى الإخلال بالتزامات التعاقد. والثانية إذا أثبت وجود قوة قاهرة أو ظرف خارج عن إرادته حال دون تنفيذ التزاماته التعاقدية.
يتمثل خطأ السمسار في عدم وفائه بالتزاماته التعاقدية، مما يتيح للموسط التملص من المسؤولية استنادًا إلى المبدأ العام المعروف بـ “الدفع بعدم التنفيذ”. وفقًا لهذا المبدأ، يحق لأي من طرفي العقد الامتناع عن تنفيذ التزاماته إذا كان الطرف الآخر قد أخل بالتزاماته التعاقدية، بحيث يمكن للموسط رفض تنفيذ ما يترتب عليه من التزامات تجاه السمسار طالما لم يقم الأخير بتنفيذ ما هو مطلوب منه.
وتحد القوة القاهرة كذلك من مسؤولية موسط السمسار لأنها تجعل تنفيذ التزاماته مستحيلًا، مما ينفي عنه الخطأ. وبالتالي، لا يلتزم الموسط بأداء تعويض للسمسار في حالة استحالة إبرام العقد، وبالتالي عدم دفع الأجر للسمسار، ويمكن أن يكون سبب عدم تنفيذ الموسط لالتزاماته ناتجًا عن طرف ثالث (الغير).
مراجع معتمدة في المقال :
Share this content: