للوكيل العام للملك الحق في إقامة الدعوى العمومية وممارستها أمام محكمة الاستئناف في الجنايات والجرائم المرتبطة بها أو غير القابلة للتجزئة عنها، سواء كانت جنحاً أو مجرد مخالفات. وتكون الجرائم مرتبطة: إذا ارتكبت في وقت واحد من طرف عدة أشخاص مجتمعين – إذا ارتكبت من طرف أشخاص مختلفين، ولو في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة، ولكن بناء على اتفاق سابق بينهم؛
في حالة ارتكاب الجناة لجرائم من أجل الحصول على وسائل تمكنهم من ارتكاب جرائم أخرى، أو تساعدهم على إتمام تنفيذها، أو تمكنهم من الإفلات من العقاب تعتبر جريمة إخفاء الأشياء المحصل عليها من جريمة مرتبطة بالجريمة التي مكنت من الحصول على تلك الأشياء أو انتزاعها أو اختلاسها كلا أو بعضا.
وتعتبر الجرائم غير قابلة للتجزئة، إذا كانت متصلة اتصالاً وثيقاً لدرجة أن وجود بعضها لا يتصور بدون وجود البعض الآخر. أو عندما تكون مترتبة عن نفس السبب وناشئة عن نفس الدافع وارتكبت في نفس الوقت وفي نفس المكان.
تتم المتابعة في الجنايات وكذلك في الجرائم المرتبطة بها من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف إما بواسطة الإحالة المباشرة على المحكمة أو الإحالة على قاضي التحقيق.
أولا – الإحالة على غرفة الجنايات الابتدائية :
تنص المادة 49 من ق م ج أن الوكيل العام للملك يحيل ما يتخذه من إجراءات إلى هيئات التحقيق أو هيئات الحكم المختصة. وينص البند رقم 2 من المادة 419 من قانون المسطرة الجنائية أن القضية تحال على غرفة الجنايات بإحالة من الوكيل العام للملك طبقا للمادتين 49 و 73 من هذا القانون”.
حددت المادة 73 من قانون المسطرة الجنائية طريقة وكيفية إقامة الدعوى العمومية من طرف الوكيل العام للملك الذي بمجرد توصله بالمساطر المتعلقة بالجرائم التي تدخل ضمن اختصاصه، فإذا قرر تحريك الدعوى العمومية بالإحالة على غرفة الجنايات فإنه يمارس ذلك بواسطة الإحالة الفورية على الجلسة، ثم عن طريق توجیه استدعاء للجلسة.
ويتضح أن المشرع تعامل مع مسطرة التقديم أمام الوكيل العام للملك بنوع من الاحتراس مقارنة مع مثيلاتها أمام وكيل الملك، فإذا كان قد وسع من دائرة مبررات الاعتقال الاحتياطي في الجنح أمام وكيل الملك، فإنه ظل محترما بخصوص هذه المسطرة أمام الوكيل العام للملك.
1 – الإحالة الفورية :
يقصد بالإحالة الفورية إحالة المتهم على غرفة الجنايات الابتدائية في حالة اعتقال احتياطي، ويلاحظ أن المشرع قيد سلطة الوكيل العام للملك عند لجوته للاعتقال والإحالة الفورية على غرفة الجنايات وذلك باحترام توافر الشروط التالية:
– أن يتعلق الأمر بجناية متلبس بها طبقا لمقتضيات المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية.
– أن لا تكون الجريمة من الجرائم التي يكون فيها التحقيق إلزاميا طبقا للمادة 83 من قانون المسطرة الجنائية.
– إذا ظهر للوكيل العام للملك أن القضية جاهزة للبت فيها.
ويهدف المشرع من إيراد هذه الشروط تقييد سلطة الوكيل العام للملك في الاعتقال وتمكين المتهم من العديد من الضمانات الشخصية أو العينية، وفي هذه الحالة فإن الوكيل العام للملك أو أحد نوابه يستفسر المتهم عن هويته ويشعره بحقه في تنصيب محام عنه حالاً، وإلا فإنه سيعين له من طرف رئيس غرفة الجنايات تلقائيا. ثم يستنطقه حول الأفعال المنسوبة إليه. فإذا اتضح أن القضية جاهزة للحكم فإن الوكيل العام للملك يصدر أمرا بإيداع المتهم في السجن وإحالته مباشرة على غرفة الجنايات داخل أجل لا يقل عن خمسة أيام ولا يزيد عن 15 يوما.
إن المادة 73 من قانون المسطرة الجنائية بينت شروط وكيفية الإحالة الفورية على الجلسة، حيث يتم اللجوء إلى هذه الإمكانية في الجرائم الخطيرة أو تلك التي لا تتوفر فيها ضمانات الحضور، إذ تخضع هذه الأخيرة للسلطة التقديرية للنيابة العامة التي قد تلجأ إلى مسطرة الإحالة الفورية أو الاستدعاء للجلسة.
و إذا كان الأمر يتعلق بالمتابعة من أجل جنحة مرتبطة بالجناية، فإن الوكيل العام للملك يمكنه أن يتابع الجانح في حالة سراح مقابل كفالة مالية أو شخصية طبقا للفقرة 2 من المادة 73 من قانون المسطرة الجنائية.
ولا يبدو من قراءة المادة 73 أنه بإمكان الوكيل العام للملك إحالة المتهم مباشرة على غرفة الجنايات وتركه في حالة سراح وذلك لأن الفقرتين 4 و 5 من المادة 73 من ق م ج صريحتان في أن الوكيل العام للملك يأمر بوضع المتهم رهن الاعتقال ويحيله على غرفة الجنايات إذا كانت القضية جاهزة،
ويلتمس إجراء تحقيق إذا ظهر له أن القضية غير جاهزة للحكم. وبطبيعة الحال فإن الجنح أو المخالفات المرتبطة بالجناية أو غير القابلة للتجزئة عنها، تتم إحالتها بنفس الكيفية، مع مراعاة المقتضيات المتعلقة بنوع الجريمة، إذ لا يمكن إيداع مرتكب مخالفة بالسجن، كما أن مرتكب الجنحة تطبق عليه المقتضيات المتعلقة بالمتابعة من أجل الجنح ( الاستدعاء أو مسطرة الإحالة الفورية).
2 – الاستدعاء للجلسة :
تختلف مسطرة الإحالة الفورية على غرفة الجنايات الابتدائية عن استدعاء المتهم لهذه الغرفة في كون الأولى يتابع فيها المتهم في حالة اعتقال احتياطي بعد اتخاذ أمر بإيداعه في السجن، في حين تكمن القيمة العملية والقانونية للاستدعاء للجلسة في أن المتهم يعرض ويقدم للمحكمة وهو في حالة سراح مقابلة كفالة مالية أو شخصية، ولا يختلف الاستدعاء للجلسة في الجنايات عن نظيره في الجنح من حيث طبيعة الإجراءات، مع ضرورة التمييز بين حالتين :
الأولى هي التي يقدم فيها المتهم أمام أنظار الوكيل العام للملك، حيث يسلم فورا استدعاء بالحضور للجلسة التي تعينها النيابة العامة بعد توقيعه على شهادة التسليم التي تبقى ضمن وثائق الملف الأصلي وتجرى متابعته في حالة سراح، والحالة الثانية هي التي لا يقدم فيها المتهم أمام النيابة العامة حيث يتم توجيه الاستدعاء إليه بالطرق المتداولة للتبليغ مرفقة بشهادة التسليم.
ويستدعى في جميع الحالات المتهم أو المسؤول المدني والطرف المدني إن وجد طبقا لما هو منصوص عليه في كل من المادتين 308 و 109 من قانون المسطرة الجنائية، ويتضمن الاستدعاء تحت طائلة البطلان ملخصا للوقائع والتكييف القانوني لها والمواد القانونية التي تعاقب عليها، ويخفض الأجل المنصوص عليه في المادة 309 إلى خمس أيام إذا تعلق الأمر بإحالة من الوكيل العام للملك.
وفي حالة تقديم المتهم للمحكمة حرا بناء على تقديم كفالة مالية يجب أن تتضمن هذه الأخيرة عند الاقتضاء؛ حضور المتهم للمحاكمة، وضمان أداء المصاريف المسبقة التي أداها الطرف المدني؛ والمبالغ الواجب إرجاعها، ومبالغ التعويض عن الضرر أو أداء النفقة إذا كان المتهم متابعا من أجل ذلك، والمصاريف التي أنفقها مقيم الدعوى العمومية، والغرامات.
ثانيا – التماس إجراء التحقيق:
إذا لم يكن متاحاً تطبيق مسطرة الإحالة المباشرة على غرفة الجنايات، فإن الوكيل العام للملك يحيل القضية على قاضي التحقيق بمقتضى ملتمس بإجراء تتحقيق. ويجب التمييز بين حالتين من الحالات التي يطلب فيها التحقيق، الذي إما أن يكون إجباريا أو اختيارياً.
فإذا كان التحقيق إجباريا فيتعين على الوكيل العام للملك المطالبة به ولو توفرت إمكانية الإحالة المباشرة وكان الأمر يتعلق بحالة تلبس بالجناية. إذ في الحالة التي يوجب فيها القانون إجراء تحقيق لا يبقى هناك مجال لسلوك مسطرة أخرى، وإنما يتعين التماس إجراء تحقيق.
وإذا كان القانون يترك الاختيار للوكيل العام للملك بشأن إجراء التحقيق، فله أن يعدل عن سلوكه، ويتبع مسطرة الإحالة المباشرة إذا توفرت شروطها، أي توفر حالة التلبس وكون القضية جاهزة للحكم، وإلا فإنه يكون مطالباً بالتماس إجراء تحقيق. وينص القانون على كون التحقيق يكون إلزاميا في الحالات التالية:
– في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام، أو بالسجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها إلى ثلاثين سنة سجنا ؛
– في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث.
ويكون التحقيق اختيارياً في باقي الجنايات الأخرى
Share this content: